القناع الذهبي للملك الطفل، أجمل مقتنيات المتحف المصري في التحرير
مع اقتراب افتتاح المتحف المصري الكبير الرائع، الذي تبلغ تكلفة إنشائه 1.5 مليار دولار أمريكي، والذي يقع بالقرب من أهرامات الجيزة، أصبحت مصر تمتلك أخيرًا مكانًا يليق بالقطع الأثرية الفريدة التي نُهبت من مقابرها ومعابدها على مر القرون. وتأمل الحكومة المصرية أن يُسهم المتحف الجديد في وضع حد لقلق علماء المصريات الدائم بشأن اختفاء القطع الأثرية الثمينة بشكل مستمر. ففي عام 2018 فقط، تمت إعادة مجموعة مكونة من 195 قطعة أثرية ونحو 21,600 قطعة نقدية إلى مصر بعد أن صادرتها السلطات الإيطالية من مجرمين حاولوا تهريبها إلى أوروبا.
تُعد التجارة غير المشروعة في الآثار المصرية القديمة نشاطًا ضخمًا، وتحيط به العديد من نظريات المؤامرة، التي لها ما يبررها أحيانا، حول الجهات السياسية والمالية الكبرى المتورطة في هذه السوق السرية الأقدم من نوعه في العالم.
عندما يفكر معظم الناس في مصر القديمة، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو مقبرة الملك الطفل أو الفرعون الصغير توت عنخ آمون. ولا تزال غالبية محتويات قبره لم تُنقل بعد إلى المتحف المصري الكبير من المتحف المصري القديم في ميدان التحرير بالقاهرة، حيث تعد أهم أَثر يجذب الزوار هناك.
ذهب مقبرة الملك توت كان حقل ألغام لسياسة الإمبراطورية البريطانية
وعندما يتعلق الأمر بالمؤامرات، فإن بصمات الإمبراطورية البريطانية تكون دائمًا حاضرة. وبعد مرور قرن على اكتشاف هوارد كارتر لمقبرة توت عنخ آمون في وادي الملوك، تسلط وثائق غير منشورة تم رفع السرية عنها مؤخرًا من الأرشيف الوطني في لندن، الضوء من جديد على مصير بعض القطع التي دُفنت مع أشهر أبناء الأقصر.كتب عالم المصريات توم هاردويك: "أصبح ذهب توت عنخ آمون مشاركًا نشطًا في السياسة العالمية خلال القرن العشرين منذ لحظة اكتشافه". وأضاف أن "هذه الأرشيفات السياسية غير المنشورة تكشف أن القبر لم يكن مجرد كنز دفين، بل حقل ألغام دبلوماسي".
في الفترة التي أعقبت الحرب العالمية الأولى، ورغم سيطرة بريطانيا على مصر، فقد تُركت إدارة الآثار للسلطات المصرية، وهو ما أثار استياء شخصيات مثل هوارد كارتر وراعيه اللورد كارنارفون. فمنذ خمسينيات القرن التاسع عشر، كانت عمليات التنقيب تحت إشراف "خدمة الآثار" الفرنسية، وكان لكارنارفون (بصفته الممول) اتفاق مع الفرنسيين على اقتسام نصف ما تسفر عنه الحفريات.
لاحقًا، أبرم كارنارفون صفقة مربحة مع صحيفة "التايمز" اللندنية، منحها من خلالها حق الدخول الحصري إلى مقبرة الملك توت . وقد كانت الصحيفة تتقاضى عمولة من علماء الآثار لقاء هذا الوصول، بمن فيهم المصريون.
بعد وفاة كارنارفون في أبريل 1923، تم تهميش كارتر من قبل "خدمة الآثار" الفرنسية والحكومة المصرية، حيث اعتبروه مصدر إزعاج. واشتكى الفرنسيون للمندوب السامي البريطاني في مصر، اللورد اللنبي، قائلين: "لقد بدأ كارتر في المبالغة كثيرًا في خدماته للحكومة المصرية، ويتحدث عن نفسه وكأن له مكانة تعادل قوى أوروبا. وهذا مؤشر مقلق".
وفي نهاية المطاف، تخلّى كارتر عن المقبرة تاركًا تابوت الفرعون بداخله (وكان غطاؤه مفتوحًا – وهو ما يُعد فألًا سيئًا بالنسبة للمؤمنين بـ"لعنة الفراعنة").ورغم عودة كارتر لاحقًا إلى المشروع، إلا أنه وزوجة كارنارفون لم يحصلا على أيً من القطع أو النسخ التي كانا يتوقعان الحصول عليها.
وفي عام 1929، عندما كانت المقبرة شبه فارغة، رفضت الحكومة المصرية، وكذلك حكومة العمال البريطانية الجديدة، خطة لبيع نسخ مقلدة من محتويات القبر إلى المتحف البريطاني.
الشرطة البريطانية تساءلت: هل تصرف كارتر كـ"لص" مع مقتنيات الملك توت؟
عندما توفي كارتر في مارس عام 1939، وجدت ابنة أخته، فيليس ووكر، عددًا من القطع الأثرية المنقوش عليها اسم توت عنخ آمون في شقته بمنطقة كينسينغتون في لندن. وكما كتب هاردويك: "تُظهر صور شقة كارتر أن مكتبه كان محروسًا بواسطة تمثالين منللأوشبتي مصنوعين من الخزف الأزرق الداكن اللامع، بينما كانت هناك في أماكن أخرى أوانٍ من الخزف ، وزخارف ذهبية منقوشة، ومسند رأس كبير مصنوع من الزجاج الأزرق الداكن ومُطَعَّم بالذهب." وفي رد على ذلك، جاء في مذكرة داخلية لمكتب الشؤون الداخلية البريطاني، على ما يبدو دون سخرية: "لقد اعتدنا على اتخاذ موقف التعالي الأخلاقي على المصريين عمومًا - ناهيك عن الأجانب الآخرين- لذا فإنها صدمة حقيقية أن نكتشف أن عالم آثار بريطاني يمكنه، في بعض الأحيان، أن يتصرف كلص." وقد أمرت الحكومة ووكر بتسليم القطع الأثرية إلى السفارة المصرية في لندن، حيث بقيت طوال ما تبقى من الحرب العالمية الثانية. وقد أُعيدت هذه القطع إلى مصر بهدوء في عام 1946.
أدى قيام ثورة يوليو في عام 1952 إلى الكشف عن المزيد من القطع الأثرية التي كان الملك فاروق يحتفظ بها ضمن مجموعته الخاصة، بما في ذلك مسند الرأس الذهبي والزجاجي الرائع الخاص بتوت عنخ آمون. وقد قررت الحكومة المصرية الجديدة إرسال محتويات القبر في جولة عالمية لتعزيز الدعم الدولي لمصر. وأثناء قيامها بذلك، بدأت المتاحف حول العالم بفحص مجموعاتها الخاصة، مما أدى إلى إعادة المزيد من مقتنيات الملك الطفل إلى مصر خلال الخمسينيات والستينيات والسبعينيات والثمانينيات. وحتى في عام 2010، أعاد متحف المتروبوليتان في نيويورك قطعًا أُخذت من المقبرة بواسطة مجهولين.
لا يزال المتحف البريطاني يحتفظ بالعديد من الكنوز المصرية، وأبرزها حجر رشيد ولفائف البردي التي تُصوِّر مشاهد من كتاب الموتى القديم. وتحتفظ دول أخرى أيضًا بقطع مهمة – لا يزال تمثال رأس الملكة نفرتيتي البديع في برلين، بعد أن غادر مصر في ظروف غامضة عام 1913. ومع الافتتاح الكبير للمتحف المصري الكبير في القاهرة طوال عام 2025، فقد حان الوقت لإعادة معظم، إن لم يكن كل، هذه القطع الأثرية إلى موطنها. ويبقى أن نرى ما إذا كانت هناك قطع أخرى لا تُقدَّر بثمن، أُزيلت على يد كارتر وآخرين على مر القرون، يمكنها الآن أن تعود أخيرًا إلى ديارها.