إيقاعات متأرجحة وارتجالات موسيقية، تتبعها صرخة "آه" متعجبة، وتعقبها سلسلة من النغمات المتقطعة التي تبدو وكأنها غير متناسقة، لكنها ليست كذلك. جماهير تنهض على أقدامها، تنقر الأرض وترقص على وقع الموسيقى المبهجة. هذه هي الصورة المألوفة لموسيقى الجاز التي ترددت في مدن أمريكا الشمالية خلال النصف الأول من القرن العشرين ولا تزال نابضة بالحياة حتى اليوم.
البعض قد يستحضر أصوات فرانك سيناترا العذبة أو أنغام الجاز الياباني العالمية، أو حتى معزوفات الجاز المتوافرة على يوتيوب التي تقدم "جاز للدراسة" أو "جاز للنوم". لكن مهما شطح بنا الخيال، فمن المستبعد أن تثير ذكرى موسيقى الجاز صورة لمصر في الستينيات. أم هل تفعل؟
هنا يأتي ذكر الموسيقار المصري صلاح رجب. الذي وُلد في يوليو 1935 لعائلة عسكرية، وكان أصغر إخوته الخمسة، وبحكم التقاليد العائلية كان عليه أن يسير على خطى والده وينضم إلى القوات المسلحة المصرية. وبالفعل، صعد في السلك العسكري حتى وصل إلى رتبة رائد قبل أن يتقاعد من الخدمة في أوائل السبعينيات، بل وشارك في الحرب بين مصر وإسرائيل عام 1967. في مقابلة مع ابن شقيقه، أعرب عن اعتقاده بأن هذا الشعور بالواجب ربما أجبر عمه صلاح رجب على تجاهل رغبته الشخصية في متابعة حياته كموسيقي وعازف إيقاع. لكن، ربما يكون موقع رجب في الجيش هو الذي مكنه من أن يصبح أول موسيقار للجاز في مصر.
لا نعرف ما الذي ألهم رجب في البداية، لكنه بدأ في تقديم عروض للجمهور مع فرقته "نايل دايموندز" عام 1958. كانت فرقة خماسية تتألف من عازف بيانو، وعازف كلارينت وساكسفون تينور، وعازف جيتار، وعازف كونترباص، مع رجب على الطبول. قدمت الفرقة الموسيقى الغربية واللاتينية كتمهيد لفرقة الجاز التي سيشكلها لاحقًا. وفقًا لابن شقيقه، كان أول تعارف بين رجب وموسيقى الجاز عام 1954 عندما كانت الإذاعة المصرية تبث ألحان فرقة "ليونيل هامبتون" الكبيرة . ولمن لا يعرف، فإن الفرقة الكبيرة هي أشبه بأوركسترا الجاز وتتكون عادة من أكثر من 10 موسيقيين. لكن الأمر استغرق عقدًا آخر قبل أن يقدم ر رجب أول حفل جاز مباشر له ويبدأ في تكوين حلمه الخاص بتأسيس فرقة جاز مصرية كبيرة.
ننتقل إلى عام 1966، عندما جاء عازف البيانو والملحن الأمريكي راندي ويستون إلى القاهرة لتقديم حفل في قاعة إيوارت التذكارية بالجامعة الأمريكية، ضمن سلسلة حفلاته "تاريخ الجاز". كان ويستون معروفًا بتبنيه لتوجه أفريقي (وحدة الشعوب الأفريقية) وبسرديته التي تضع التأثيرات الأفريقية في صميم موسيقى الجاز. و يبدو أن هذه الرسالة تركت انطباعًا عميقًا لدى أحد الحاضرين، الضابط العسكري وقائد الفرقة الموسيقية، صلاح رجب. كرجل عسكري مخلص، أعرب رجب عن ولائه لرؤية الرئيس جمال عبد الناصر للوحدة العربية والأفريقية، وكونه من عائلة تتعاطف مع هذه الأفكار، وقع في حب هذه القضية- قضية الجاز، تحديدًا.
في نفس الفترة تقريبًا، وربما في نفس الحفل، التقى رجب بشخصيتين ستغيران مسار حياته الموسيقية: هارتموت غيركن وإدوارد "إيدو" فيزفاري. كان غيركن موسيقيًا وملحنًا ألمانيًا يعيش في مصر ويعمل في معهد غوته، بينما كان فيزفاري عازف كونترباص ومدرس موسيقى تشيكيًا. شارك هذان الأوروبيان طموح رجب في إنشاء فرقة جاز كبيرة، وعملوا معًا على تحقيق ذلك. كان رجب قد خاض بالفعل تجربة قصيرة كعازف إيقاع في فرقة جاز، حيث تعاون مع فرقة "ماك إكس سبيرز" الرباعية للجاز. كان ذلك الاسم الفني لعازف الساكسفون الأمريكي عثمان كريم، الذي جاء إلى مصر لدراسة الإسلام والهروب من العنصرية ضد السود التي واجهها في مسقط رأسه، كانساس سيتي. لكن هذا المشروع الواعد انتهى سريعًا بسبب حرب 1967، التي أدت إلى تصاعد المشاعر المناهضة لأمريكا في مصر، مما أجبر ماك إكس سبيرز وموسيقيين آخرين أجانب على مغادرة البلاد.
بحلول عام 1968، تمت ترقية رجب إلى منصب رئيس إدارة الموسيقى العسكرية في الجيش المصري، وهو ما شكل نقطة تحول حاسمة. أصبح حلمه في تشكيل فرقة جاز كبيرة بمساعدة غيركن وفيزفاري قريب المنال، إذ باتت لديه إمكانية الوصول إلى حوالي 3000 من أفضل الموسيقيين في البلاد، بالإضافة إلى جميع أنواع الآلات الموسيقية التي يمكن تخيلها. وبالفعل، تم تجنيد حوالي 20 موسيقيًا من الجيش المصري لتشكيل فرقة القاهرة للجاز. لم يكن لأي من هؤلاء الموسيقيين أي خبرة سابقة في موسيقى الجاز، لكن هذا لم يكن عائقًا بالنسبة لرجب. كان ملتزمًا تمامًا بتزويدهم بالتعليم المطلوب، لدرجة أنه يُقال إن الأعضاء المحتملين للفرقة كانوا يواجهون عقوبة السجن العسكري إذا رفضوا الانضمام إليها!
تحت قيادة رجب، اكتسب مقر إدارة الموسيقى العسكرية في حي مصر الجديدة (هليوبوليس) لقب "بيت الجاز". لكن الأمر استغرق حوالي عام قبل أن بتأقلم أعضاء الفرقة مع أسلوب الجاز الجديد، وبحلول فبراير 1969، كانوا مستعدين لتقديم أول حفل موسيقي لهم. أقيم الحفل في قاعة إيوارت ، وهو نفس المكان الذي شهد أول تجربة لرجب مع أداء راندي ويستون أمام الجمهور. قدمت الفرقة مقطوعات أصلية من تأليف رجب، وغيركن، وفيزفاري، بالإضافة إلى أعمال لموسيقيي الجاز المشهورين مثل ديزي غيليسبي، ونات أديرلي، وكاونت باسي. لاقت العروض استحسان الجمهور، واستمرت الفرقة في تقديم حفلاتها في أماكن شهيرة مثل دار الأوبرا المصرية ونادي إل كابو للجاز في الزمالك.
خلال مسيرته الموسيقية، تعاون رجب مع العديد من الموسيقيين البارزين، لكن ربما كانت أكثر شراكاته شهرة وتأثيرًا تلك التي جمعته مع صن را وفرقة Sun Ra Arkestra . كان صن را، واسمه الحقيقي هيرمان بول بلونت، عازف بيانو وملحنًا وقائد فرقة جاز أمريكيًا أفريقيًا. اشتهر بأسلوبه الذي مزج بين الجماليات الصوتية الإفريقية والرموز والأساطير المصرية القديمة، ما أدى إلى إنتاج موسيقى جاز تجريبية من الناحية الصوتية والبصرية. من المثير للاهتمام أن ينجذب قائد فرقة عسكرية مثل رجب إلى الجماليات التي تبناها صن را، لكن هذا اللقاء أدى إلى تعاون لا يُنسى. ورغم تضارب الروايات حول كيفية لقاء رجب وصن را لأول مرة، إلا أن هناك بعض الحقائق المؤكدة.
الأمر الأول المؤكد هو أن صن را وفرقته ، التي ضمت 22 موسيقيًا، زاروا مصر في عام1971 وقدموا عرضًا عند الأهرامات في 12 ديسمبر. خلال نفس الرحلة، قاد صن را حفلات موسيقية مباشرة تم تسجيلها وإصدارها لاحقًا في ألبوم Egypt 1971 . أُقيمت هذه الحفلات في مكانين: الأول في مسرح البالون في العجوزة، والذي لا يزال يعمل حتى اليوم مستضيفًا عروضًا مسرحية متنوعة؛ والثاني في منزل هارتموت غيركن، الشريك المؤسس لفرقة القاهرة للجاز مع رجب وفيزفاري. تُعد علاقة غيركن بصن را مؤشرًا قويًا على كيفية التقائهما وتعاونهما. كما يُنسب لغيركن التقاط معظم الصور التي وثّقت زيارة صن را التاريخية لمصر عام 1971.
وعلى الرغم من هذه العلاقة الوثيقة، استغرق الأمر عشر سنوات أخرى قبل أن يصدر صن را ورجب ألبومهما المشترك. بحلول ذلك الوقت، كان رجب قد أصدر بالفعل ألبومه مع فرقة القاهرة للجاز عام 1973 تحت عنوان "جاز مصري" واحتوى ست مقطوعات موسيقية هي "مزاج شرقي" و "فجر" و " ميرفت" و "نيفين" و "كليوباترا" و"رمضان".
كانت شركة "صوت القاهرة" للتسجيلات المملوكة للدولة هي جهة الإصدار، وهي نفس الشركة التي تولت إصدار وتوزيع تسجيلات أم كلثوم. وفي العام التالي، 1974، أُعيد إصدار الألبوم نفسه ولكن تحت عنوان "خيلاء مصرية" أو Egypt Strut، دون أي تغيير في قائمة الأغاني الأصلية باستثناء إعادة تسمية أغنية "Ramadan" إلى "Ramadan in Space Time". ومع ذلك، لم يكن هناك تفسير واضح وراء تغيير اسم الألبوم، خاصة أن جميع الأطراف المعنية ظلت كما هي. من الممكن أن يكون العنوان الجديد قد جذب انتباه الموسيقي الأمريكي فرانك زابا، الذي أصدر مقطوعة موسيقية بعنوان "Regyptian Strut" ضمن ألبومه Sleep Dirt عام 1979، لكن لا يوجد دليل على وجود صلة مباشرة بينهما.
يُعد التعاون بين رجب وصن را محاولة جريئة ولافتة لصياغة جاز مصري أصيل. تم تصنيف الألبوم ضمن نوع "الجاز الحر"، وهو نهج تجريبي طليعي يتحدى القواعد التقليدية للموسيقى. الألبوم يستند إلى الإيقاعات والنغمات العربية التقليدية، لكنه يعيد توجيهها صوتيًا بشكل مبتكر. فقد جمع بين الآلات الموسيقية التقليدية مثل الناي والبازة (الطبلة التي تُقرع في شوارع مصر وقت السحور في رمضان)، وآلات أكثر شيوعًا في عالم الجاز مثل الساكسفون، والترومبيت، والبيانو، مما جعله مزيجًا موسيقيًا ممتعًا يعكس تلاقح الثقافات.
وفي عام 2021، أُعيد إصدار الألبوم متضمنا مقطوعات إضافية مثل "A Farewell Theme"، التي وضعت لإحياء ذكرى وفاة الرئيس جمال عبد الناصر وقيل إنها عُزفت خلال جنازته، ومقطوعة "العبور" التي أُهديت إلى الرئيس أنور السادات وأحداث حرب أكتوبر.
عاد صن را إلى مصر مع فرقته في عام 1984، وكانت ثمرة اللقاء إصدار ألبوم "صن را أركيسترا تلتقي صلاح رجب في مصر" "Sun Ra Arkestra Meets Salah Ragab in Egypt" وتضمن معظم المقطوعات التي صدرت في ألبوم جاز مصري، وجمع حوالي 35 موسيقيا من فرقة صن را والقاهرة للجاز، كما تعاون رجب وصن را في ألبوم آخر أقل شهرة بعنوان "Sun Rise in Egypt"، صدر أيضًا عام 1984 . تألف الألبوم الاخير من ست مقطوعات، معظمها من تأليف صن را، باستثناء واحدة كتبها عازف البيانو الشهير ثيلونيوس مونك، فيما أدى رجب دور عازف الإيقاع في جميع الأغاني.
قصة صلاح رجب، كأول "رجل جاز" في مصر، وصانع جاز مصري فريد صوتيًا، هي قصة مشوقة وغريبة بعض الشيء، خاصة عند النظر إلى واقع الجاز في مصر اليوم. فبالرغم من أن الجاز لا يحظى بشعبية كبيرة في مصر حاليًا، إلا أن رجب نجح في تحقيق إنجاز موسيقي استثنائي. معظم المصريين اليوم لم يسمعوا عن رجب، الذي وافته المنية عام 2008، ولم يتعرفوا على ألحانه الساحرة. وعلى المستوى العالمي، لا يعرف عشاق الجاز الكثير عن رجب، إلا ربما من خلال تعاونه مع صن را. يزداد هذا الغموض إثارة عند الأخذ في الاعتبار أن فرقة القاهرة للجاز كانت خلال عهد عبد الناصر الفرقة العسكرية الرسمية، وتمتعت بكافة الموارد التي توفرها الدولة. لم يكن هذا بأي شكل من الأشكال حركة موسيقية "سرية" أو "تحت الأرض"، بل كان مشروعًا إبداعيًا تم إنتاجه وتوزيعه بالكامل من خلال شركة تسجيلات مركزية مملوكة للدولة.
قد لا نتمكن أبدًا من فهم كيف تطور مسار الجاز في مصر بالطريقة التي حدثت بها، لكن قصة صلاح رجب تسلط الضوء على التعاون والتأثيرات الثقافية المتبادلة التي ساهمت في تشكيله. فعلى الرغم من أن هذه التجربة كانت متمركزة في القاهرة، إلا أن شركاء رجب في هذا المشروع الموسيقي جاءوا من مختلف أنحاء العالم، وحتى من مختلف أنحاء مصر، حيث ضمت فرقة القاهرة للجاز موسيقيين من صعيد مصر والدلتا. قد يكون مستقبل الجاز في مصر غير واضح، لكنه بالتأكيد يمتلك ماضيًا مجيدًا، وربما تساعدنا قصة صلاح رجب وأعماله الموسيقية في فهم الطريق المجهول الذي ينتظر الجاز المصري.