بعد الإفطار مباشرة في ثاني جمعة من رمضان، ينتظر أحمد ومصطفى في رام الله مكالمة هاتفية من أحد المهربين ليسهل لهما زيارة المسجد الأقصى، أولى القبلتين وثالث الحرمين.
جمعت الصداقة بين الشابين منذ مرحلة الدراسة الإعدادية، ولأنهما فلسطينيان يعيشان في الضفة الغربية المحتلة فهما لا يحملان تصاريح تسمح لهما بالدخول إلى القدس الشرقية المحتلة والصلاة في الأقصى أثناء أيام شهر رمضان. لم يتبق أمام أحمد ومصطفى سوى خيار وحيد: تسلق جدار الفصل العنصري الذي قطعت به إسرائيل أوصال الضفة الغربية. الجدار ، الذي لا يزال محل استنكار دولي، وهو هيكل يمتد لمسافة 700 كيلومتر مكون من ألواح خرسانية وأسوار وأسلاك شائكة تفصل معظم الضفة الغربية عن إسرائيل والقدس.
يقول أحمد: "نحاول التسلق منذ أن كنت في الرابعة عشرة وكان مصطفى في الخامسة عشرة". في الماضي، نجح الصديقان في اجتياز الجدار بمساعدة "المهربين" لقضاء ليالٍ في باحات الأقصى، حيث يصلّيان، ويفطران في رمضان، وينامان.
يقول مصطفى: "في أيام الجمعة، أتصل بأحد المهربين وأسأله إن كان قد ساعد أحدًا في العبور في ذلك اليوم". "إذا قال نعم، أحدد موعدًا وأرتب المكان والوقت للقاء". ويضيف أن المهربين يتقاضون ما بين 200 إلى 300 شيكل (55 إلى 80 دولارًا أمريكيًا) للشخص الواحد، لكن لا توجد ضمانات للوصول بنجاح إلى القدس.
يوضح أحمد: "أجزاء مختلفة من الجدار 'يسيطر عليها' مهربون مختلفون". "المهرب يوفر الحبال والسلالم للتسلق في منطقته، ويقص فتحة في السلك الشائك. جودة المعدات تعتمد على المهرب، لكن بعض السلالم خطيرة جدًا، وبعضها لا يصل حتى إلى قمة الجدار".
يصعد المهربون قبل عملائهم، ويبقون في الأعلى لبضع دقائق لمراقبة الدوريات الإسرائيلية. إذا كان الطريق آمنًا، يتسلق الصاعدون السلالم المستندة إلى الجدار، ثم ينزلون باستخدام الحبال المعقودة على الجانب الآخر. يقول مصطفى ضاحكًا: "إنه يشبه حصة الألعاب الرياضية".
الآثار التي خلفها التسلق ظاهرة على مصلين في كل مكان بالمسجد الأقصى. كان أحمد محظوظًا حيث لم يُصب سوى بخدوش في يديه وتمزقت ملابسه، وهو ما يعتبره أمرا بسيطا مقارنة بالكسور في الساقين، والمعاصم، والكواحل، والأيدي، والأذرع، والوركين التي لحقت بمتسلقين آخرين. يقول أحمد: "إذا سقطت من الجدار، لن تعرف أي جزء من جسمك سيصطدم بالأرض أولًا، لكنه بالتأكيد سيتعرض للكسر".
في أحد الأعوام، أفلت صديق لهما الحبل مبكرًا وسقط وكسر ساقه. يتذكر ذلك أحمد قائلاً: "لم نكن نعلم مدى خطورة إصابته بسبب اندفاع الأدرينالين". "أخذناه إلى المسجد الأقصى حيث توجد العديد من العيادات الطبية الصغيرة في الخيام، وأعطاه الأطباء مسكنات للألم ثم المورفين لاحقًا". لم يكتشف صديقه مدى خطورة إصابته إلا عند زيارته للمستشفى بعد عودته إلى جنين.
يرسل أحمد مقطع فيديو من رحلة حديثة عبر جدار الفصل. في المقطع، يظهر شارع مهجور على الجانب المقدسي، تصطف فيه السيارات المتوقفة بجوار جدار الفصل الذي يبلغ ارتفاعه 15 مترًا والمغطى بأسلاك شائكة. يظهر شخص عالياً وينزلق عبر فتحة في السلك بحجم إنسان، ثم يتأرجح عبر حبل أسود رفيع مع عقد صغيرة تفصل بينها 30 سم. يهبط على الشارع في مساحة فارغة بين السيارات المتوقفة. يقول أحمد: "السكان يعرفون أن هذا المكان مخصص للتهريب، لذا يتركون مساحة ليتمكن الناس من الهبوط."
مهربون وعملاء
يضيف أحمد: "بالطبع الشرطة [الإسرائيلية] على علم بهذه الأنشطة. أنا شخصياً أعتقد أن بعض المهربين يعملون مع الشرطة". عندما يخططون لتسلق الجدار، يتواصل الفتيان مع المهربين بشكل فردي عبر هواتفهم الشخصية. لكن أحمد يعتقد أن المهربين يقدمون هويات وأرقام هواتف الفتيان الذين يطلبون مساعدتهم، إلى الشرطة الإسرائيلية التي تجري عمليات تفتيش أمنية خاصة بها. ويقول: "قبل بضع سنوات، كنت أتسلق مع مجموعة من 20 إلى 30 رجلاً. تمكن عدة أشخاص بالفعل من العبور. كان هناك رجل أمامي يتسلق عندما وصلت الشرطة وألقت القبض عليه وعلى شخص آخر، لكنها سمحت للبقية بالمرور."
-
جدار الفصل الإسرائيلي يمتد لـ700 كيلومترا بارتفاع 15 مترا في بعض المناطق
أولئك الذين يعبرون الجدار بأمان يجب أن يختبئوا بجانب الطريق حتى يتمكنوا من إيقاف حافلة أو الحصول على توصيلة إلى القدس. والتحدي التالي هو اجتياز الطوق الأمني حول البلدة القديمة نفسها.
يقول أحمد: "نجلس وننتظر على الدرج أمام باب العامود حتى يتجمع حشد كبير، عادة قبل 10 إلى 20 دقيقة من بدء الصلاة". يندمجون مع الزحام المتجه نحو الأقصى على أمل الوصول دون لفت انتباه قوات الأمن الإسرائيلية. يقول مصطفى: "سترى الكثير من الجنود". "من الأفضل تجنب أي تواصل بالعين—انشغل بهاتفك، التقط سيلفي. وإذا ناداك أحدهم، لا تجب."
الشباب هم الأكثر عرضة للتوقيف والاستجواب، كما يقول الفتيان. "من السهل على الشرطة أن تميزنا". أما من يُقبض عليهم بدون تصريح، فيتم اقتيادهم إلى الحاجز الأمني وإعادتهم إلى رام الله.
تم تقييد الوصول إلى الأقصى منذ هجمات 7 أكتوبر 2023، لا سيما خلال شهر رمضان. قبل بداية الشهر الكريم، أعلنت إسرائيل عن قيود تحت مسمى " السلامة العامة"، حيث سمحت فقط لـ 10 آلاف فلسطيني من الضفة الغربية بالدخول إلى القدس خلال شهر الصوم، بشرط أن يكون الرجال فوق 55 عامًا، والنساء فوق 50 عامًا، والأطفال دون 10 سنوات. كما تم تعزيز نقاط التفتيش العسكرية بقوات إضافية وزيادة الدوريات.
تقول الشرطة إنها اعتقلت أكثر من 200 فلسطيني يحملون بطاقات هوية الضفة الغربية في القدس هذا الشهر، إضافة إلى اعتقال 78 آخرين يشتبه في مساعدتهم على النقل أو التوظيف أو إيواء "مقيمين غير شرعيين".
يقول أحمد: "الأمر ليس كما كان من قبل، إنه غير آمن". "هناك المزيد والمزيد من الجنود، وحرس الحدود، والدوريات في كل مكان حول جدار الفصل. ربما لا تمر دقيقة واحدة في الشارع بدون دوريات إسرائيلية."
نشأ أحمد في جنين، بشمال الضفة الغربية، حيث كان جدار الفصل يتكون في الغالب من سياج شائك. ويقول إنه من أواخر 2019 حتى 2022، عندما خففت إسرائيل القيود على الضفة الغربية بسبب جائحة كوفيد، قام العديد من الفلسطينيين بقص فتحات في السياج وعبروا دون الحاجة إلى المهربين. "عبر الآلاف إن لم يكن مئات الآلاف من الأشخاص. قام الناس بتهريب الحيوانات، والدراجات النارية، والسيارات الصغيرة عبر الحدود"، يتذكر أحمد. "وصل الأمر إلى أن حتى حاملي التصاريح—الذين يمكنهم العبور من خلال نقاط التفتيش الرسمية—بدأوا يستخدمون الفتحات في السياج بدلاً من ذلك."
خلال رمضان 2020، يقول أحمد إنه عبر الحدود مع عائلته من فتحة في الجدار ليفطروا في الأقصى. "رأينا حرس الحدود الإسرائيليين وسياراتهم بجوار الفتحة أثناء عبورنا. كانوا يجلسون، يدخنون سيجارة، ويراقبون الناس وهم يعبرون، قائلين 'شالوم، شالوم'." استمر "العصر الذهبي"، كما يصفه أحمد، حتى نفذ ضياء حمارشة، وهو فلسطيني من شمال الضفة، هجومًا في بني براك أسفر عن مقتل خمسة أشخاص، حيث تبين أنه دخل إسرائيل عبر ثغرة كبيرة في السياج تكفي لمرور سيارة. "بعد ذلك، عززوا الأسوار، وكثفوا الدوريات، وبنوا الجدار على طول الجزء الشمالي من الضفة الغربية، ممتداً من الشمال إلى بيت لحم."
كان مصطفى وأحمد قادرين في السابق على قضاء الليل داخل الأقصى، يصلون مع المصلين الآخرين، ويتشاركون الطعام، وينامون. لكن هذا العام، بدأت الشرطة بإغلاق المسجد خلال الليل وإخلاء ساحاته، لا سيما أيام الجمعة حيث تزداد الحشود. يقول مصطفى: "إنه أمر خطير جدًا على أصدقائنا الذين يعيشون في القدس إذا حاولنا البقاء معهم"، لذا يتعين عليهما العودة إلى جنين.
بالرغم من المخاطر الكبيرة المتمثلة في السقوط من الجدار والتعرض للإصابة، أو الاعتقال أو حتى إطلاق النار من قبل الشرطة أو الجيش، إلا أن مجرد فكرة النجاح في الوصول إلى الأقصى، تكفي لإبقاء مصطفى وأحمد مستمرين في المحاولة. يقول أحمد: "تخيل نفسك محبوسًا، مجبرًا على البقاء في مكان واحد وممنوعًا من الذهاب إلى أقدس مكان في منطقتك". "هناك شعور بالرضا حتى لمجرد فكرة الوصول إلى الداخل."
يقول مصطفى إنها فرصته الوحيدة للصلاة في الأقصى، وهو مستعد للمخاطرة مهما كان الثمن. "إذا فعلنا كل ما تطلبه منا الشرطة أو الاحتلال، سنظل في قفص. هذه هي طريقتنا لنقول إننا نريد الخروج من سجننا".