الأربعاء, مارس 4, 2026
الأربعاء, مارس 4, 2026
ساهم

الوطنية المغربية-تحولات الأمة والهوية – تاليف حسن طارق

صدر حديثاً كتاب "الوطنية المغربية-تحولات الأمة والهوية" عن المركز...

قصة ضابط الجيش المصري الذي أسس أول فرقة لموسيقى الجاز

إيقاعات متأرجحة وارتجالات موسيقية، تتبعها صرخة "آه" متعجبة، وتعقبها...

التكنولوجيا الفائقة والعيش على حافة الفوضى

في ظهيرة هادئة، وبدون سابق إنذار، غرقت اثنتان من...

من النكبة إلى حرب غزة: كيف واكبت الرواية الفلسطينية مراحل الصراع؟

بالرغم من أن الرواية تعتبر جنسا أدبيا حديثا ووافدا على الثقافة العربية، قياسا بفنون أخرى مثل الشعر والخطابة، إلا أن إرهاصات الرواية الفلسطينية لم تتأخر عن مثيلاتها في الشرق العربي في أعقاب الحرب العالمية الأولى وظهور أفكار التحرر الوطني في المنطقة العربية. وقد تطورت فنون الرواية الفلسطينية مع تطور المراحل المختلفة للصراع فأصبحت أكثر تعقيدا واشتباكا مع تحولاته النضالية والسياسية.   تستعرض هذه المقالة بشكل مختصر نشأة الرواية الفلسطينية وتفاعلها مع واقعها الذي شكل الاحتلال مظهرا مفصليا فيه، وسأقسم هذا التناول إلى اربعة أجزاء: البدايات السردية، المؤسسون، الثورة الفلسطينية، ما بعد أوسلو. لا يمكن، بالتأكيد إضاءة كل التجارب السردية الفلسطينية بما يفيها حقها في مقالة محدودة، لذلك سأعمد إلى محاولة إضاءة ملامح كل مرحلة واستخدام إشارات موسوعية قصيرة إلى مختارات من أعمال من يمثلون كل مرحلة لتحفيز القارئ المهتم على التوسع في مطالعاته عن تلك التجارب. البدايات يعتبر النقاد والمؤرخون رواية "الوارث" للكاتب خليل بيدس ، والتي صدرت في عام 1920 أول رواية فلسطينية مطبوعة، ويرى الأكاديمي سليم تماري في تصريح أدلى به قبل سنوات أنها تشكل بداية مثيرة لرحلة الرواية العربية في فلسطين. وقد عثر شابان فلسطينيان هما فؤاد العكليك ورمزي الطويل على نسخة من الرواية التي وصفت بأنها "رواية اجتماعية غرامية تاريخية". طبعا لا تكمن أهمية الرواية في قيمتها الفنية التي لا يمكن أن تحاكم وفقا لمعايير فنية محضة، بل في أهميتها التاريخية التوثيقية لبدايات هذا الشكل السردي في فلسطين. فقد مثلت نكبة 1948 صدمة مفصلية في حياة الشعب الفلسطيني، ومن الطبيعي ان تكون حاضرة في النتاج الأدبي لهذا الشعب منذ بداياته. سبقت بدايات الشعر الفلسطيني، الذي انشغل بدوره بالقضية المركزية حتى قبل نكبة عام ١٩٤٨ ، الرواية في تعاطيه مع ما يشغل المجتمع الفلسطيني، وعكست القصائد الأولى  الهموم الوطنية منذ ما بين الحربين العالميتين. كتب الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان (١٩٠٦-١٩٤١) أولى قصائده الوطنية خلال الانتداب البريطاني، وهو مؤلف نشيد "موطني" الذي اعتمدته عدة دول عربية بتلحين الأخوين فليفل اللبنانيين نشيدا وطنيا، والكثير من الفلسطينيين يعتبرونه بدورهم نشيدا وطنيا، مع أن السلطة الوطنية ارتأت اعتماد إحدى أغاني الثورة الفلسطينية التي تحمل عنوان "فدائي". وقد تتلمذت الشاعرة فدوى طوقان (١٩١٧-٢٠٠٣) على شقيقها الذي رحل مبكرا وتابعت صقل موهبتها حتى تشكلت لها شخصية شعرية مميزة، وكان باكورة إنتاجها ديوان "وحدي مع الأيام" الذي صدر عام ١٩٥٢. ومن الشعراء الذين واكب نشاطهم الشعري نضال الشعب الفلسطيني في مواجهة مخططات تقسيم فلسطين ابن بلدتي عنبتا الشاعر عبد الرحيم محمود (١٩١٣-١٩٤٨)، صاحب القصيدة ذائعة الصيت ومطلعها "سأحمل روحي على راحتي وألقي بها في مهاوي الردى، فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدى". استشهد عبد الرحيم محمود في معركة الشجرة عام ١٩٤٨. بعد النكبة ظهر جيل جديد من الشعراء الفلسطينيين (محمود درويش، سميح القاسم، توفيق زياد، نوح إبراهيم، سالم جبران وغيرهم) في مدن وقرى فلسطين المحتلة، واضطلع شعرهم من بداياته بمهمة نضالية ألقت بظلالها على هويته الأدبية، إذ كانت بداياته خطابية غنائية تتسم بالمباشرة، تغيرت فيما بعد مع تنوع التجارب السياسية والحياتية لمبدعيه كما شاهدنا خاصة في تجارب محمود درويش وسميح القاسم. السرد ما بعد النكبة   كانت القصة القصيرة هي الشكل السائد للسرد بعد النكبة، حيث برزت أعمال الكتاب محمود سيف الدين الإيراني وخليل بيدس الذين بدءا نشاطهما قبل النكبة، ثم تبعهما كتاب وكاتبات مثل سميرة عزام وخليل السواحري ومحمود شقير وغسان كنفاني وغيرهم، لكن الرواية الفلسطينية الناضجة شكليا تأخرت إلى ما بعد عام ١٩٦٧، ويمكن القول إن النكسة أثرت على نضوجها وتبلور مشروعها. منذ بداية مشروع الرواية الفلسطينية اتسمت بصفتين لازمتا معظم الأعمال التي صدرت حتى الآن: الأولى هي الشكل المغترب عن البيئة والمتسم باجتهادات ذهنية فردية متأثرة بالإنجازات العالمية، وعلى الرغم من وجود تجارب لافتة في هذا المجال إلا أن الملاحظ على معظمها أنها اقتصرت على الشكل السردي، وسنعود لنقاش هذا الجانب عند الحديث عن اعمال محددة.  والثانية هي التشبث الشكلي بمفهوم ساذج للالتزام بقضية فيما يمكن اعتباره تفسيرا فجا لمفهوم الواقعية الاشتراكية في الأدب. الآباء المؤسسون كان غسان كنفاني (١٩٣٦-١٩٧٢) من أوائل الروائيين الفلسطينيين الذين بلوروا مشروعا سرديا  واضح المعالم مبنيا على الإنجازات السردية العالمية، وشكلت روايته الأولى "عائد إلى حيفا" الصادرة عام ١٩٦٩ نقلة نوعية في السرد الفلسطيني وبداية ناضجة للرواية كجنس أدبي في فلسطين. شكل الحدث المفصلي في حياة الفلسطينيين، نكبة عام ١٩٤٨، وما تبع ذلك من تداعيات: النكسة، المقاومة بأشكالها، ولاحقا اتفاق اوسلو وتداعياته، المحور الذي دارت حوله الرواية الفلسطينية التي لم تتمكن بسهولة من الخروج من هذا الإطار السردي، شكلا وموضوعا. من اللافت أن غسان كنفاني، ومنذ بداياته، اهتم بالشكل السردي وانفتح على المدارس والتوجهات العالمية في الرواية، فكان أول من وظف تقنيات حداثية عالمية مثل "تيار الوعي" الذي عرف في الولايات المتحدة منذ بدايات القرن العشرين وهي تقنية تحاول التقاط التدفق الطبيعي لعملية التفكير الممتدة للشخصية، غالبا عبر دمج الانطباعات الحسية والأفكار غير المكتملة.  في روايته الأولى "عائد إلى حيفا" يختار كنفاني المواجهة بين السردية الفلسطينية والإسرائيلية، من خلال حوار بين الأب والأم الفلسطينيين من جهة وابنهما الذي تركاه سهوا في المنزل عند الرحيل المتعجل عن الوطن عام ١٩٤٨ لتقوم بتربيته عائلة يهودية استوطنت منزلهما. لعل رواية غسان هذه، رغم الاحتفاء الفلسطيني والعربي العظيم بها، هي الاقل نضجا سرديا بين رواياته، حيث تقحم الرؤية السياسية على الحوار بشكل فج يجعله ملائما للاستخدام كشعارات سياسية على وسائل التواصل الاجتماعي "هل تعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ الوطن ألا يحدث هذا كله " و " تستطيعان مؤقتا البقاء في بيتنا، فذلك أمر تحتاج تسويته إلى حرب".  الإشكالية في الاقتباسين السابقين تكمن في أنهما مقحمان على طبيعة اللقاء بين الفلسطيني (المستلب، الخارج لتوه من حرب هزم فيها، مرة أخرى، وفقد ما تبقى من وطنه) والإسرائيلي (الذي لم يفق بعد من نشوة النصر والغرور الذي اكتسبه عبر النصر الجارف الذي حققه جيش دولته في الخامس من حزيران). أنا ابن الضفة الغربية، وكنت شاهدا على علاقة الفلسطيني بالإسرائيلي عقب هزيمة حزيران: في الأيام الأولى كان اهل الضفة يعيشون حالة رعب من احتمال حدوث مجازر كتلك التي اقترفها الجيش الإسرائيلي عقب النكبة، وحين مرت الأيام ولم تقع مجازر بدأ الناس يطمئنون قليلا، ولكن نظرتهم للمدنيين الإسرائيليين الذين بدأوا يغزون مدن وأسواق الضفة الغربية شابها الفضول الحذر وليس التحدي والمواجهة المباشرة. أما من يدخل إلى الضفة الغربية وعبرها إلى الداخل الفلسطيني عن طريق الجسر فهو يكون في العادة أكثر توجسا وحذرا، ولا يملك هذه الجرأة والثقة بالنفس التي كانت واضحة في خطاب سعيد في رواية عائد إلى حيفا. في روايات غسان التي تلت كان صوته السردي أقل انفعالا، وشخصياته تتحرك وتتحدث بلسانها لا بلسان كاتبها كما هو الحال في "عائد إلى حيفا"، وحتى حين استخدم في رواية "رجال في الشمس" مقولة (تساؤلا) حوله الفلسطينيون إلى شعار سياسي “لماذا لم يطرقوا جدران الخزان؟" جاء ذلك ملتحما بالنسيج العضوي للرواية ووقعه بدا طبيعيا غير مقحم لا على السياق ولا على طبيعة لغة قائله (أبو الخيزران سائق الشاحنة). أما قمة التألق السردي لغسان فقد تجلى في “ما تبقى لكم" وهي رواية قصيرة أو "نوفيلا" استخدم فيها غسان الرمز بكثافة كما استخدم تقنية تيار الوعي. يحكي العمل قصة ثلاثة اشخاص، مع ان الشخصيات في الرواية يمكن اعتبارها خمسة حيث الساعة والصحراء حاضرتان بقوة تبرر اعتبارهما شخصيات.  الشخصيات الآدمية هي حامد، وشقيقته مريم وزوجها زكريا. تستغرق الأحداث اقل من يوم لكن المؤلف يستخدم تقنية "الفلاش باك" ليعطينا خلفية للقصة. في هذه القصة استخدم كنفاني الساعة كرمز لتداخل سرد الأحداث التي تدور في أوقات مختلفة والصحراء كسارد لها، لكن الحقيقة أن الهدف من جعل الصحراء ساردا ليس واضحا، فهي تقوم بهذا الدور مثل اي سارد تقليدي. أما ثاني الثلاثي السردي (الذين يعتبرون آباء الرواية الفلسطينية) فهو جبرا إبراهيم جبرا. في رواياته التي تملك صوتا سرديا راسخا، يقوم جبرا بنحت نموذج طوباوي للفلسطيني: الناجح، الناجي، القدوة… لنأخذ رواية "البحث عن وليد مسعود" كنموذج لروح السرد عند جبرا: وليد مسعود فلسطيني يعيش في بغداد، رجل أعمال ناجح، مثقف، يتنقل بين أحضان النساء المعجبات بشخصياته وينتزع الحسد من الرجال الذين قد يتحول ذلك عندهم إلى حقد وكراهية. الصوت السردي محكم، والشخصيات (حيث هي كيان من لحم ودم تتطور بشكل عضوي) مقنعة، لكنها "منمذجة"(idealized ) بشكل واضح. ونأتي الآن إلى الاب الثالث للرواية الفلسطينية، إميل حبيبي، ورائعته "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل". هذه الرواية لا تشبه أي شيء سابق أو لاحق في السرد الفلسطيني: يزاوج أسلوبها السردي السخرية اللاذعة من الذات والضحك المر باللغة الكلاسيكية والتراث التاريخي والشخصيات الكاريكاتيرية. لم ينجح سارد فلسطيني بإضاءة تناقضات الشخصية الفلسطينية في تعاملها مع واقعها المر كما فعلت هذه الرواية: الفلسطيني فيها براغماتي/ثائر، متصالح / مفعم بالتحدي ساخر (من الذات بالدرجة الأولى). فيها دفء إنساني، ضحك ومرارة. تشبه الإنسان الفلسطيني بلامعقوليته وتناقضاته التي تتعايش في كيان هش يتحدى الكسر. لعل تصوير الشخصية الفلسطينية في هذه الرواية هو الأكثر شجاعة وثراء في السرد الفلسطيني على الإطلاق، فهي تتطور، كما لغة السرد، بالتداعي، وبشكل عضوي، وكأن خالقها (الروائي) سها، عمدا، عن مسارات تطورها، فتركها تقدم نفسها لشكل قد لا يروق لأصحاب رؤية "وضع النماذج الإيجابية في الواجهة". وبلغت شجاعة الكاتب السردية درجة مكنته من التحرر من أناه الأخرى (السياسي الملتزم، ابن الحزب الشيوعي الذي يحبذ النقد الإيجابي الهادف عوضا عن السخرية). لم "يرقني موضوع "الفضائيين" كإطار للسرد في الرواية، احسسته مقحما، لكن الرواية ككل أبهرتني. بقيت الرواية متفردة في نتاج إميل حبيبي، فلا يقاربها في تفردها الأسلوبي اي من اعماله القليلة الاخرى. تنوعت تجارب الروائيين الفلسطينيين بعد الآباء المؤسسين، واتسم أسلوب السرد عندهم بالذاتية، أي أن كلا منهم يعكس توجهه (الذهني) الذات في تجربته السردية، وإن كان التأويل الفلسطيني لمفهوم الواقعية الاشتراكية هو السائد.. نشرت سحر خليفة روايتها الأولى "لم نعد جواري لكم" عام ١٩٧٤، ثم أتبعتها برواية أكثر نضجا أسلوبيا تحمل عنوان "الصبار" لتتلوها رواية “عباد الشمس" ، وكلاهما ترصدان المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية بعد النكسة. منذ بداية تجربة سحر السردية يمكن رصد نفس نسوي، بدأ بروايتها الأولى التي تصرح بهذا التوجه عبر عنوانها "لم نعد جواري لكم" ثم فيما تلا من روايات. في البداية لم يلاحظ القارئ تصدر "القضية" على حساب الصنعة الروائية، لكن هذا لم يلبث ان حصل في بعض رواياتها اللاحقة. من الروائيات الفلسطينيات اللواتي بدأن نشاطهن في العقد الثامن من القرن العشرين أيضا ليانة بدر، حيث تناولت في روايتها الأولى "بوصلة من أجل عباد الشمس" أحداث أيلول في الأردن عام ١٩٧٠.   أصدرت ليانة لاحقا عددا من الروايات منها "عين المرأة" و"الخيمة البيضاء" و"نجوم أريحا". كانت ليانة تعيش خارج الأراضي الفلسطينية وقد بدا ذلك واضحا في فضائها الروائي في البداية، ثم عادت إلى الضفة الغربية بعد أوسلو، وانتقلت بشخصيات رواياتها وثيماتها إلى الضفة الغربية.  ليانة أيضا تبدو مسكونة بالهموم النسوية، على استحياء في روايتها الأولى "بوصلة من أجل عباد الشمس" ثم بدا ذلك واضحا في روايتها "الخيمة البيضاء"، حيث النفس النسوي هنا لا يتجلى على السطح فقط من خلال استعراض احتجاج شخصياتها الأنثوية على وضعهن في المجتمع، بل من خلال تحقق الشخصية الأنثوية كإنسانة مناضلة تضطلع بدورها بنشاط في شتى مناحي الحياة.  ومن الكتاب المميزين الذين لفت نتاجهم الانتباه في سنوات الثورة الفلسطينية يحيى يخلف، الذي صدرت روايته اللافتة "نجران تحت الصفر" عام ١٩٧٧، واستخدم فيها الكاتب تجربته في العمل في السعودية لرصد واقع اجتماعي وسياسي قلق في تلك المنطقة. شخصيا أعتبر هذه الرواية أكثر روايات يخلف تميزا في لغتها وأسلوبها السردي وإضاءة ملامح شخصياتها. في رواياته اللاحقة ابتعد يخلف عن التجريبية واستقر على أسلوب سرد كلاسيكي كما بدا ذلك في روايتيه اللتين صدرتا بعد أوسلو "بحيرة وراء الريح" و"نهر يستحم في البحيرة" ورواياته اللاحقة الاخرى. ولا ننسى طبعا تجربة رشاد أبو شاور الذي رحل عن عالمنا منذ فترة قصيرة، وأبرز معالمها، الذي كان واضحا في معظم أعماله، نقد سلوكيات البعض في الثورة الفلسطينية وتصوير انتهازيتهم، وبدا هذا واضحا في روايته "الرب لم يسترح في اليوم السابع". حاول أبو شاور التجريب خاصة في قصصه القصيرة، إلا أنه عاد في رواياته إلى شكل السرد الكلاسيكي. في "الرب لم يسترح في اليوم السابع" يصور خروج المقاتلين الفلسطينيين من بيروت، حيث تدور معظم أحداث الرواية على متن الباخرة التي أقلتهم من بيروت إلى قبرص، ويبسط الضوء على بعض السلوكيات الانتهازية لمسؤولين ومتنفذين في المقاومة الفلسطينية. أوسلو وما بعدها يمكن رصد ظاهرتين في المزاج الأدبي السائد بعد أوسلو سواء كان في أوساط غالبية القراء أو غالبية النقاد ودور النشر، بعد توقيع اتفاقية أوسلو وعودة الكثير من الفلسطينيين المنفيين إلى الضفة الغربية وغزة. الظاهرة الأولى هي الارتداد إلى شكل مسطح لمفهوم الالتزام في الأدب، لا يرقى إلى مستوى ما أنتج خلال سنوات الثورة. أما الثاني فهو وضع الجوانب الشكلية، وخصوصا اللغة والتجريب في أشكال السرد في الصدارة. طبعا صدرت أعمال أدبية لا تلتزم بهذا التوجه، لكنها دفعت ثمنا هو التجاهل النقدي وأحيانا الهجوم سواء من القراء أو النقاد. من أبرز أسماء تلك الحقبة محمود شقير، الذي بدأ مسيرته الأدبية من خلال القصة القصيرة كما أسلفنا، وتدرج أسلوب السرد في قصصه القصيرة من الواقعية الاشتراكية إلى أساليب سرد حداثية ، ثم تابعها بكتابة روايات لافتة، ربما أكثرها شهرة رواية "مديح لنساء العائلة" التي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة بوكر العربية والتي يروي فيها الكاتب حكاية نساء عشيرة العبد اللات وبدايات الخروج على التقاليد السائدة . لعل من أغزر الروائيين إنتاجا (خصوصا بعد أوسلو) الروائي إبراهيم نصر الله، الذي يحظى بنجاح لافت، سواء في فلسطين أو خارجها، وترجم الكثير من اعماله إلى لغات عدة. يتماهى نصر الله في إنتاجه الروائي مع متطلبات المزاج الفلسطيني العام بأسلوب تغلب عليه الشعرية، وهو ربما أكثر الكتاب الفلسطينيين شعبية في أوساط القراء، كذلك أغزرهم إنتاجا. في روايته "زمن الخيول البيضاء" التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، يقدم نصر الله سردا رومانسيا شعري الأجواء لأحداث تدور قبل النكبة، وقد حظيت الرواية بشعبية كبيرة في أوساط القراء والنقاد، وأعتبرها شخصيا من أفضل أعماله. لقد أحببت الرواية، وإن كان لي مأخذ عليها: كونها من الأعمال الفلسطينية القليلة التي تصور المجتمع الفلسطينية قبل النكبة كنت أتمنى لو انتهج إبراهيم سردا كلاسيكيا اقدر على رسم ملامح واقعية لمجتمع غابت ملامحه ونرغب كفلسطينيين في استعادتها لمواجهة محاولات إسرائيل نفيها حينا وسرقتها في أحيان أخرى. من رواياته الأخرى التي أعجبتني رواية "شرفة العار" التي تتناول ظاهرة حساسة في المجتمعات العربية، هي ظاهرة "جرائم الشرف" تناول نصر الله في هذه الرواية يبتعد عن شعريته في "زمن الخيول" ويقترب من أسلوب السرد الواقعي، وجاء هذا في صالح الرواية.   ومن الروائيين الفلسطينيين الذي حازوا على جائزة "البوكر العربية " بدورهم بالإضافة لنصر الله الكاتب ربعي المدهون الذي نشر روايتين: "السيدة من تل أبيب"، و"مصائر: كونشيرتو الهولوكوست والنكبة". اعتمد المدهون في روايتيه التجريب الاسلوبي، وتناول في كليهما بشكل جريء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من خلال إعطاء مساحة للتفاعل المباشر مع الآخر من خلال حضور شخصيات إسرائيلية وفلسطينية في روايتيه. اثارت الروايتان جدلا وسعا وحادا بين المعجبين والمنتقدين، لكن الخلاف في معظمه كان سياسيا ولم يرتبط بالجوانب الفنية للرواية إلا في القليل.  وفاز فلسطيني ثالث بجائزة البوكر العربية هو باسم خندقجي الذي يقضي حكما مؤبدا بالسجن في السجون الإسرائيلية. وقال رئيس لجنة الجائزة عن الرواية الفائزة: "تغامر الرواية في تجريب صيغ سردية جديدة للثلاثية الكبرى: وعي الذات، وعي الآخر، وعي العالم، حيث يرمح التخييل مفككاً الواقع المعقد المرير، والتشظي الأسري، والتهجير، والإبادة والعنصرية. كما اشتبكت فيها، وازدهت، جدائل التاريخ والأسطورة والحاضر والعصر، وتوقّد فيها النبض الإنساني الحار ضد التخوين، كما توقدت فيها صبوات الحرية والتحرر من كل ما يشوه البشر، أفراداً ومجتمعات. إنها رواية تعلن الحب والصداقة هويةً للإنسان فوق كل الانتماءات". ومن الروائيين اللافتين في مرحلة ما بعد أوسلو الأكاديمي وليد الشرفا الذي حازت روايته "وارث الشواهد" اهتماما نقديا وفي صفوف القراء. انتهج الكاتب في روايته أسلوبا حداثيا يقوم على تعدد الأصوات السردية وتداخل الأزمنة السردية. ...

ترامب: حين تتجسد ثقافة “التفاهة” في شخص الرئيس

ثقافة "الحشو" الأمريكية تمظهرت في برامج تليفزيون الواقع في...

لبنان آخر؟

في الذكرى العشرين لاغتيال رفيق الحريري دُعي علي أومليل لإلقاء محاضرة ببيروت عن الدلالة الخاصة لإحياء هذه الذكرى هذه السنة بالذات. فقد سقط نظام بشار الأسد المتهم باغتيال الحريري، وحزب الله الذي اتهمت المحكمة الدولية الخاصة بعض عناصره بالضلوع في عملية الاغتيال قد اضطر بعد الضربات التي تلقاها من إسرائيل إلى قبول قرار مجلس الأمن القاضي بنزع سلاحه والتسليم بانتخاب رئيس جمهورية دشن عهدًا جديدًا لا رقابة للحزب عليه.

وقد حضر هذه المحاضرة شخصيات لبنانية منها رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة ونائب رئيس الحكومة الحالية طارق متري ووزير الثقافة حاليا غسان سلامة، كما حضرها السفير السعودي وليد البخاري.

في شهر فبراير من العالم الجاري مضى على اغتيال الرئيس رفيق الحريري عشرون عاماً. وهي ذكرى تختلف أيّما اختلاف هذا العام. ويكفي أن نذكر ما حلّ بالثنائي المتهم باغتيال الحريري: فبشار الأسد قد سقط نظامه ولاذَ بالفرار. وحزب الله قد اغتيل أمينه العام وعدد من قادته وقُطعت طريق إمداده بالسلاح عبر سوريا كما نزعت منه السيطرة على المطار والميناء والمعابر، فاضطر إلى قبول قرار مجلس الأمن بنزع سلاحه وخضوعه لآلية مراقبة تنفيذ هذا القرار. وانتُخب رئيس للجمهورية ورئيس للوزراء ليسا من صُنعه.

حين عاد رفيق الحريري عودة نهائية إلى لبنان ليخوض فيه غمار السياسة وليصبح أهمّ زعمائها حققت عودته هاته شيئين:

أولا: إعمار لبنان خاصة عاصمته بيروت بعد الدمار الذي خلفته الحرب الأهلية التي امتدت عقدا ونصف، فكان أكبر إعمار في أقصر وقت في لبنان.

ثانيا: خاض غمار السياسة اللبنانية وبلغ فيها ما لم يبلغه قائد سياسي آخر إذ صار أقوى شخصية سياسية سواء داخل لبنان أو في علاقاته الخارجية الوثيقة مع كبار العالم. وبسبب نجاحه هذا الذي لا يضاهى تربّصوا به فاغتالوه اغتيالا كان بمثابة زلزال ضرب لبنان وترددت هزاته خارجه.

زرته أياماً قبل حادث التفجير الذي أودى بحياته وسط بيروت التي أعاد إعمارها. أذكر أن الحديث كان عن الانتخابات التي كان لبنان مقبلا عليها. لقد كان واثقا من أنه سوف يكسبها وستكون له الأغلبية في البرلمان. ودَّعته وأنا أتساءل في قلق: هل مسموح أن تكون للحريري الأغلبية في البرلمان المقبل، والحال أن البرلمان هو الذي ينتخب رئيس الجمهورية ويمدد له، وكان الخلاف آنذاك قد بلغ مداه بين الحريري ورئيس الجمهورية إيميل لحود الذي قرر الرئيس السوري بشار الأسد التمديد له، وأيضا فبرلمان أغلبيته حريرية يمكن أن يتخذ قرار إنهاء الاحتلال السوري للبنان. الغالب أن قرار اغتيال الحريري قد اتُّخِذ حين أصدر مجلس الأمن القرار رقم 1959 القاضي بإخراج الجيش السوري من لبنان وبنزع سلاح مليشياته أي بنزع سلاح حزب الله، لاسيما وأن المعنيين بالقرار أي النظام السوري وحزب الله اتهما رفيق الحريري بأنه كان وراء استصدار قرار مجلس الأمن المذكور.

حين خاض رفيق الحريري غمار السياسة اللبنانية واجهه عائقان: الطائفية السياسية وسيطرة النظام السوري المتحكّم في لبنان.

العائق الأول بنيوي لأن النظام الطائفي عريق في لبنان ضارب جذوره في بنيته الاجتماعية والسياسية. إن مساوئ هذا النظام الطائفي اللبناني كثيرة، إلا أن سيئته الكبرى هي أنه يشطر لبنان شطرين متنافرين: لبنان الحداثة، بفضل نظامه التعليمي ومستوى جامعاته وانفتاحه الاقتصادي ونوعية نخبته المتمكنة من أفضل المعارف والمهارات التي تتيح لها الاندماج في عالم اليوم، وحيوية رأسماله البشري في الداخل والشتات. لكن مع لبنان الحداثة هذا هناك لبنان آخر، لبنان العتيق بنظامه الطائفي، والذي معه لا دولة مدنية ديمقراطية ممكنة لأن النظام الطائفي هو نقيضها:

– ففي الدولة المدنية الديمقراطية تكون المواطنة هي الهوية الجامعة، وليس الهويات الطائفية.

– واستقلال القضاء هو عماد الدولة المدنية الديمقراطية، في حين أن القضاء في الدولة الطائفية مناصبه محاصصة بين الطوائف.

– وهوية الأفراد الطائفية في النظام الطائفي تحدّد سلفاً وجودهم. وعلاقاتهم الاجتماعية مطبوعة بهويتهم الطائفية؛ والتي ترسم الحدود لمسارهم السياسي.

لذا فإن مشكل اللبنانيين العميق هو توزعهم بين هذين اللبنانين، الحداثي والعتيق. ورهان لبنان -أو ما ينبغي أن يكون- هو أن يكون واحداً ومتعدداً، ليس التعددية التي هو عليها الآن، أي التعددية العتيقة الطائفية والمذهبية، بل التعددية بمعناها الديمقراطي الحديث، تعددية الأحزاب السياسية والنقابات المهنية ومنابر الرأي.

 أما العائق الثاني الذي واجهه رفيق الحريري وهو يخوض غمار السياسة فهو النظام السوري الذي كان يمسك بخناق لبنان. فالطبيعة الاستبدادية لهذا النظام لا تقبل من أي سياسي لبناني سوى التبعية المطلقة.

ليس هذا وحسب، بل إن النظام السوري السابق كان هو النقيض الشامل للبنان، فهما نقيضان في نظام الاقتصاد الذي هو منفتح في لبنان ومنغلق موجّه في سوريا، ونقيضان في مستوى نظام التربية والتعليم ومستوى الجامعات، ونقيضان في هامش حرية الرأي والنشر في لبنان ومنعها أو مراقبتها في سوريا. والمفارقة أن النظام السوري وهو الحاكم المتحكم في لبنان كان هو نفسه الذي يصدّر إليه أفواج العاطلين، وهو الذي كانت تأتي طبقة أعيانه إلى لبنان للاستشفاء في مستشفياته، وفي مصارفه تُودع أموالها.

إن سرّاء لبنان وضرّائه يأتيان من محيطه. فلحقبة طويلة امتدت من الربع الأخير من القرن التاسع عشر إلى سبعينات القرن الماضي عشية اندلاع الحرب الأهلية ظل لبنان مطلوباً له جاذبية لدى محيطه. ففي مصر التي كانت لها ريادة النهضة العربية ساهمت نخبة من اللبنانيين في إرساء معالمها الثقافية. وكان للصحافة اللبنانية جاذبيتها وتأثيرها خارج حدود لبنان بفضل هامش الحرية والمهنية. كما أن للإعلاميين اللبنانيين الفضل في تأسيس وإدارة عدد من المنابر الإعلامية في عدد من البلدان العربية.

ظلت حدود لبنان الجنوبية مع إسرائيل مصدر تهديد لاستقراره منذ 1948

 كن ومنذ سبعينات القرن الماضي انقلبت علاقة لبنان بمحيطه. فلبنان الذي ظل لعقود طويلة منفتحاً ومطلوباً من محيطه انقلب هذا المحيط ليصبح مصدر الخطر على كيانه. ويكفي النظر في خريطة لبنان: ففي شماله وشرقه سوريا التي كان نظامها يمسك بخناقه. وفي جنوبه إسرائيل التي عانى لبنان من عدوانها المتعاقب منذ أن طردت إليه عدداً هائلاً من فلسطينيي النكبة عام 1948. وهناك إيران البعيدة جغرافيا لكنها منذ الثورة الخمينية أصبحت بسبب النظام الطائفي للبنان لاعباً أساسيا في ساحته السياسية.

إن معارضي إيران يعارضونها لأسباب، منها تصدير ثورتها الخمينية خارج حدودها وأطماعها في الهيمنة في المنطقة معتمدة على أتباعها من المتمذهبين بمذهبها الشيعي الإثني عشري وولائهم لولاية الفقيه. لكن الذي لحق لبنان من النظام الإيراني كان أفدح: فقد تغلغل في نسيجه الاجتماعي والسياسي لدرجة استئصال قسم من شعبه وإلحاقه بإيران إلحاق التبعية المطلقة. وهذا الإلحاق عائق أساس لقيام الدولة الوطنية واستقرارها في لبنان للأسباب التالية:

– فلا مجال لرسوخ شعور وطني الذي هو ولاء للوطن وللدولة الوطنية، لأن ولاء أتباع إيران في لبنان إنما هو لإيران ولمرشدها الأعلى، وليس حصريا لدولتهم الوطنية ولمؤسساتها.

– ولا مجال لقيام هوية وطنية جامعة أي هوية المواطنة العابرة للهويات الخاصة كالهوية المذهبية، لأن الهوية المذهبية هي الهوية الحصرية لأتباع إيران في لبنان.

– ولا ضمان للسيادة الوطنية التي هي من مقومات الدولة الوطنية. وذلك لأن الطوائف في النظام الطائفي يستقوى بعضها على بعض باستدعاء تدخل قوى خارجية، وحزب الله هو الأكثر استقواء بالخارج أي بإيران، وما يفتأ قادة هذا الحزب يعلنون على الملأ ولاءهم لإيران ولمرشدها الأعلى.

أما جوار لبنان الجنوبي أي إسرائيل فلم يأته منها سوى الشر منذ العام 1948، عام النكبة حين طردت آلاف الفلسطينيين إلى لبنان. ومنذ ذلك الحين أصبحت القضية الفلسطينية شأنا داخليا لبنانيا ورقماً أساسياً في المعادلة السياسية اللبنانية.

وقد أنشأت إيران حزب الله لتجعل منه رأس حربة صراعها مع إسرائيل. وبنى هذا الحزب وجوده السياسي على شرعية المقاومة لاحتلال إسرائيل أجزاء من جنوب لبنان. وهي مقاومة جعل حزب الله نطاقها الجغرافي يتجاوز حدود لبنان لأنها مقاومة من أجل القضية الفلسطينية ولتحرير القدس. وحين أطلقت حماس طوفانها الأقصى في السابع من أكتوبر عام 2023 دخل حزب الله في مواجهة مع إسرائيل إسناداً لحماس في حربها الدائرة مع إسرائيل في غزة. ثم كانت النتيجة هي ما نعرف: اغتيال قيادة حزب الله وعلى رأسها حسن نصر الله الأمين العام الذي لا يعوض، وتدمير القدرات العسكرية والبشرية لهذا الحزب وهو ما اضطره إلى قبول قرار مجلس الأمن القاضي بنزع سلاحه ومراقبة تنفيذ هذا القرار من قبل لجنة يرأسها ضابط أمريكي!

ولأول مرة منذ حقبة طويلة انتخب اللبنانيون رئيسا للجمهورية ليس من صنع حزب الله، كما انتخب رئيس للحكومة من خارج البيئة السياسية اللبنانية المعهودة، فساد شعور لدى اللبنانيين أو غالبيتهم أن لبنان سينصرف أخيراً إلى شأنه الوطني نائيا بنفسه عن المحاور التي جعلت منه ساحة لصراعاتها. لكن لتحقيق ذلك لابد من توافق اللبنانيين على حياد لبنان، وأن تستقر الأوضاع في سوريا. لكن هل ستترك إسرائيل لبنان للانصراف لشأنه حتى ولو توافق اللبنانيون على حيادهم واستقلالهم؟ كل القرائن تدل على أنها لن تترك لبنان لشأنه، بل ستسعى إلى أن تفرض عليه تطبيعا لن يكون في حقيقته سوى استتباعاً.