الخميس, مارس 19, 2026
الخميس, مارس 19, 2026
ساهم

الوطنية المغربية-تحولات الأمة والهوية – تاليف حسن طارق

صدر حديثاً كتاب "الوطنية المغربية-تحولات الأمة والهوية" عن المركز...

قصة ضابط الجيش المصري الذي أسس أول فرقة لموسيقى الجاز

إيقاعات متأرجحة وارتجالات موسيقية، تتبعها صرخة "آه" متعجبة، وتعقبها...

التكنولوجيا الفائقة والعيش على حافة الفوضى

في ظهيرة هادئة، وبدون سابق إنذار، غرقت اثنتان من...

من النكبة إلى حرب غزة: كيف واكبت الرواية الفلسطينية مراحل الصراع؟

بالرغم من أن الرواية تعتبر جنسا أدبيا حديثا ووافدا على الثقافة العربية، قياسا بفنون أخرى مثل الشعر والخطابة، إلا أن إرهاصات الرواية الفلسطينية لم تتأخر عن مثيلاتها في الشرق العربي في أعقاب الحرب العالمية الأولى وظهور أفكار التحرر الوطني في المنطقة العربية. وقد تطورت فنون الرواية الفلسطينية مع تطور المراحل المختلفة للصراع فأصبحت أكثر تعقيدا واشتباكا مع تحولاته النضالية والسياسية.   تستعرض هذه المقالة بشكل مختصر نشأة الرواية الفلسطينية وتفاعلها مع واقعها الذي شكل الاحتلال مظهرا مفصليا فيه، وسأقسم هذا التناول إلى اربعة أجزاء: البدايات السردية، المؤسسون، الثورة الفلسطينية، ما بعد أوسلو. لا يمكن، بالتأكيد إضاءة كل التجارب السردية الفلسطينية بما يفيها حقها في مقالة محدودة، لذلك سأعمد إلى محاولة إضاءة ملامح كل مرحلة واستخدام إشارات موسوعية قصيرة إلى مختارات من أعمال من يمثلون كل مرحلة لتحفيز القارئ المهتم على التوسع في مطالعاته عن تلك التجارب. البدايات يعتبر النقاد والمؤرخون رواية "الوارث" للكاتب خليل بيدس ، والتي صدرت في عام 1920 أول رواية فلسطينية مطبوعة، ويرى الأكاديمي سليم تماري في تصريح أدلى به قبل سنوات أنها تشكل بداية مثيرة لرحلة الرواية العربية في فلسطين. وقد عثر شابان فلسطينيان هما فؤاد العكليك ورمزي الطويل على نسخة من الرواية التي وصفت بأنها "رواية اجتماعية غرامية تاريخية". طبعا لا تكمن أهمية الرواية في قيمتها الفنية التي لا يمكن أن تحاكم وفقا لمعايير فنية محضة، بل في أهميتها التاريخية التوثيقية لبدايات هذا الشكل السردي في فلسطين. فقد مثلت نكبة 1948 صدمة مفصلية في حياة الشعب الفلسطيني، ومن الطبيعي ان تكون حاضرة في النتاج الأدبي لهذا الشعب منذ بداياته. سبقت بدايات الشعر الفلسطيني، الذي انشغل بدوره بالقضية المركزية حتى قبل نكبة عام ١٩٤٨ ، الرواية في تعاطيه مع ما يشغل المجتمع الفلسطيني، وعكست القصائد الأولى  الهموم الوطنية منذ ما بين الحربين العالميتين. كتب الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان (١٩٠٦-١٩٤١) أولى قصائده الوطنية خلال الانتداب البريطاني، وهو مؤلف نشيد "موطني" الذي اعتمدته عدة دول عربية بتلحين الأخوين فليفل اللبنانيين نشيدا وطنيا، والكثير من الفلسطينيين يعتبرونه بدورهم نشيدا وطنيا، مع أن السلطة الوطنية ارتأت اعتماد إحدى أغاني الثورة الفلسطينية التي تحمل عنوان "فدائي". وقد تتلمذت الشاعرة فدوى طوقان (١٩١٧-٢٠٠٣) على شقيقها الذي رحل مبكرا وتابعت صقل موهبتها حتى تشكلت لها شخصية شعرية مميزة، وكان باكورة إنتاجها ديوان "وحدي مع الأيام" الذي صدر عام ١٩٥٢. ومن الشعراء الذين واكب نشاطهم الشعري نضال الشعب الفلسطيني في مواجهة مخططات تقسيم فلسطين ابن بلدتي عنبتا الشاعر عبد الرحيم محمود (١٩١٣-١٩٤٨)، صاحب القصيدة ذائعة الصيت ومطلعها "سأحمل روحي على راحتي وألقي بها في مهاوي الردى، فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدى". استشهد عبد الرحيم محمود في معركة الشجرة عام ١٩٤٨. بعد النكبة ظهر جيل جديد من الشعراء الفلسطينيين (محمود درويش، سميح القاسم، توفيق زياد، نوح إبراهيم، سالم جبران وغيرهم) في مدن وقرى فلسطين المحتلة، واضطلع شعرهم من بداياته بمهمة نضالية ألقت بظلالها على هويته الأدبية، إذ كانت بداياته خطابية غنائية تتسم بالمباشرة، تغيرت فيما بعد مع تنوع التجارب السياسية والحياتية لمبدعيه كما شاهدنا خاصة في تجارب محمود درويش وسميح القاسم. السرد ما بعد النكبة   كانت القصة القصيرة هي الشكل السائد للسرد بعد النكبة، حيث برزت أعمال الكتاب محمود سيف الدين الإيراني وخليل بيدس الذين بدءا نشاطهما قبل النكبة، ثم تبعهما كتاب وكاتبات مثل سميرة عزام وخليل السواحري ومحمود شقير وغسان كنفاني وغيرهم، لكن الرواية الفلسطينية الناضجة شكليا تأخرت إلى ما بعد عام ١٩٦٧، ويمكن القول إن النكسة أثرت على نضوجها وتبلور مشروعها. منذ بداية مشروع الرواية الفلسطينية اتسمت بصفتين لازمتا معظم الأعمال التي صدرت حتى الآن: الأولى هي الشكل المغترب عن البيئة والمتسم باجتهادات ذهنية فردية متأثرة بالإنجازات العالمية، وعلى الرغم من وجود تجارب لافتة في هذا المجال إلا أن الملاحظ على معظمها أنها اقتصرت على الشكل السردي، وسنعود لنقاش هذا الجانب عند الحديث عن اعمال محددة.  والثانية هي التشبث الشكلي بمفهوم ساذج للالتزام بقضية فيما يمكن اعتباره تفسيرا فجا لمفهوم الواقعية الاشتراكية في الأدب. الآباء المؤسسون كان غسان كنفاني (١٩٣٦-١٩٧٢) من أوائل الروائيين الفلسطينيين الذين بلوروا مشروعا سرديا  واضح المعالم مبنيا على الإنجازات السردية العالمية، وشكلت روايته الأولى "عائد إلى حيفا" الصادرة عام ١٩٦٩ نقلة نوعية في السرد الفلسطيني وبداية ناضجة للرواية كجنس أدبي في فلسطين. شكل الحدث المفصلي في حياة الفلسطينيين، نكبة عام ١٩٤٨، وما تبع ذلك من تداعيات: النكسة، المقاومة بأشكالها، ولاحقا اتفاق اوسلو وتداعياته، المحور الذي دارت حوله الرواية الفلسطينية التي لم تتمكن بسهولة من الخروج من هذا الإطار السردي، شكلا وموضوعا. من اللافت أن غسان كنفاني، ومنذ بداياته، اهتم بالشكل السردي وانفتح على المدارس والتوجهات العالمية في الرواية، فكان أول من وظف تقنيات حداثية عالمية مثل "تيار الوعي" الذي عرف في الولايات المتحدة منذ بدايات القرن العشرين وهي تقنية تحاول التقاط التدفق الطبيعي لعملية التفكير الممتدة للشخصية، غالبا عبر دمج الانطباعات الحسية والأفكار غير المكتملة.  في روايته الأولى "عائد إلى حيفا" يختار كنفاني المواجهة بين السردية الفلسطينية والإسرائيلية، من خلال حوار بين الأب والأم الفلسطينيين من جهة وابنهما الذي تركاه سهوا في المنزل عند الرحيل المتعجل عن الوطن عام ١٩٤٨ لتقوم بتربيته عائلة يهودية استوطنت منزلهما. لعل رواية غسان هذه، رغم الاحتفاء الفلسطيني والعربي العظيم بها، هي الاقل نضجا سرديا بين رواياته، حيث تقحم الرؤية السياسية على الحوار بشكل فج يجعله ملائما للاستخدام كشعارات سياسية على وسائل التواصل الاجتماعي "هل تعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ الوطن ألا يحدث هذا كله " و " تستطيعان مؤقتا البقاء في بيتنا، فذلك أمر تحتاج تسويته إلى حرب".  الإشكالية في الاقتباسين السابقين تكمن في أنهما مقحمان على طبيعة اللقاء بين الفلسطيني (المستلب، الخارج لتوه من حرب هزم فيها، مرة أخرى، وفقد ما تبقى من وطنه) والإسرائيلي (الذي لم يفق بعد من نشوة النصر والغرور الذي اكتسبه عبر النصر الجارف الذي حققه جيش دولته في الخامس من حزيران). أنا ابن الضفة الغربية، وكنت شاهدا على علاقة الفلسطيني بالإسرائيلي عقب هزيمة حزيران: في الأيام الأولى كان اهل الضفة يعيشون حالة رعب من احتمال حدوث مجازر كتلك التي اقترفها الجيش الإسرائيلي عقب النكبة، وحين مرت الأيام ولم تقع مجازر بدأ الناس يطمئنون قليلا، ولكن نظرتهم للمدنيين الإسرائيليين الذين بدأوا يغزون مدن وأسواق الضفة الغربية شابها الفضول الحذر وليس التحدي والمواجهة المباشرة. أما من يدخل إلى الضفة الغربية وعبرها إلى الداخل الفلسطيني عن طريق الجسر فهو يكون في العادة أكثر توجسا وحذرا، ولا يملك هذه الجرأة والثقة بالنفس التي كانت واضحة في خطاب سعيد في رواية عائد إلى حيفا. في روايات غسان التي تلت كان صوته السردي أقل انفعالا، وشخصياته تتحرك وتتحدث بلسانها لا بلسان كاتبها كما هو الحال في "عائد إلى حيفا"، وحتى حين استخدم في رواية "رجال في الشمس" مقولة (تساؤلا) حوله الفلسطينيون إلى شعار سياسي “لماذا لم يطرقوا جدران الخزان؟" جاء ذلك ملتحما بالنسيج العضوي للرواية ووقعه بدا طبيعيا غير مقحم لا على السياق ولا على طبيعة لغة قائله (أبو الخيزران سائق الشاحنة). أما قمة التألق السردي لغسان فقد تجلى في “ما تبقى لكم" وهي رواية قصيرة أو "نوفيلا" استخدم فيها غسان الرمز بكثافة كما استخدم تقنية تيار الوعي. يحكي العمل قصة ثلاثة اشخاص، مع ان الشخصيات في الرواية يمكن اعتبارها خمسة حيث الساعة والصحراء حاضرتان بقوة تبرر اعتبارهما شخصيات.  الشخصيات الآدمية هي حامد، وشقيقته مريم وزوجها زكريا. تستغرق الأحداث اقل من يوم لكن المؤلف يستخدم تقنية "الفلاش باك" ليعطينا خلفية للقصة. في هذه القصة استخدم كنفاني الساعة كرمز لتداخل سرد الأحداث التي تدور في أوقات مختلفة والصحراء كسارد لها، لكن الحقيقة أن الهدف من جعل الصحراء ساردا ليس واضحا، فهي تقوم بهذا الدور مثل اي سارد تقليدي. أما ثاني الثلاثي السردي (الذين يعتبرون آباء الرواية الفلسطينية) فهو جبرا إبراهيم جبرا. في رواياته التي تملك صوتا سرديا راسخا، يقوم جبرا بنحت نموذج طوباوي للفلسطيني: الناجح، الناجي، القدوة… لنأخذ رواية "البحث عن وليد مسعود" كنموذج لروح السرد عند جبرا: وليد مسعود فلسطيني يعيش في بغداد، رجل أعمال ناجح، مثقف، يتنقل بين أحضان النساء المعجبات بشخصياته وينتزع الحسد من الرجال الذين قد يتحول ذلك عندهم إلى حقد وكراهية. الصوت السردي محكم، والشخصيات (حيث هي كيان من لحم ودم تتطور بشكل عضوي) مقنعة، لكنها "منمذجة"(idealized ) بشكل واضح. ونأتي الآن إلى الاب الثالث للرواية الفلسطينية، إميل حبيبي، ورائعته "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل". هذه الرواية لا تشبه أي شيء سابق أو لاحق في السرد الفلسطيني: يزاوج أسلوبها السردي السخرية اللاذعة من الذات والضحك المر باللغة الكلاسيكية والتراث التاريخي والشخصيات الكاريكاتيرية. لم ينجح سارد فلسطيني بإضاءة تناقضات الشخصية الفلسطينية في تعاملها مع واقعها المر كما فعلت هذه الرواية: الفلسطيني فيها براغماتي/ثائر، متصالح / مفعم بالتحدي ساخر (من الذات بالدرجة الأولى). فيها دفء إنساني، ضحك ومرارة. تشبه الإنسان الفلسطيني بلامعقوليته وتناقضاته التي تتعايش في كيان هش يتحدى الكسر. لعل تصوير الشخصية الفلسطينية في هذه الرواية هو الأكثر شجاعة وثراء في السرد الفلسطيني على الإطلاق، فهي تتطور، كما لغة السرد، بالتداعي، وبشكل عضوي، وكأن خالقها (الروائي) سها، عمدا، عن مسارات تطورها، فتركها تقدم نفسها لشكل قد لا يروق لأصحاب رؤية "وضع النماذج الإيجابية في الواجهة". وبلغت شجاعة الكاتب السردية درجة مكنته من التحرر من أناه الأخرى (السياسي الملتزم، ابن الحزب الشيوعي الذي يحبذ النقد الإيجابي الهادف عوضا عن السخرية). لم "يرقني موضوع "الفضائيين" كإطار للسرد في الرواية، احسسته مقحما، لكن الرواية ككل أبهرتني. بقيت الرواية متفردة في نتاج إميل حبيبي، فلا يقاربها في تفردها الأسلوبي اي من اعماله القليلة الاخرى. تنوعت تجارب الروائيين الفلسطينيين بعد الآباء المؤسسين، واتسم أسلوب السرد عندهم بالذاتية، أي أن كلا منهم يعكس توجهه (الذهني) الذات في تجربته السردية، وإن كان التأويل الفلسطيني لمفهوم الواقعية الاشتراكية هو السائد.. نشرت سحر خليفة روايتها الأولى "لم نعد جواري لكم" عام ١٩٧٤، ثم أتبعتها برواية أكثر نضجا أسلوبيا تحمل عنوان "الصبار" لتتلوها رواية “عباد الشمس" ، وكلاهما ترصدان المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية بعد النكسة. منذ بداية تجربة سحر السردية يمكن رصد نفس نسوي، بدأ بروايتها الأولى التي تصرح بهذا التوجه عبر عنوانها "لم نعد جواري لكم" ثم فيما تلا من روايات. في البداية لم يلاحظ القارئ تصدر "القضية" على حساب الصنعة الروائية، لكن هذا لم يلبث ان حصل في بعض رواياتها اللاحقة. من الروائيات الفلسطينيات اللواتي بدأن نشاطهن في العقد الثامن من القرن العشرين أيضا ليانة بدر، حيث تناولت في روايتها الأولى "بوصلة من أجل عباد الشمس" أحداث أيلول في الأردن عام ١٩٧٠.   أصدرت ليانة لاحقا عددا من الروايات منها "عين المرأة" و"الخيمة البيضاء" و"نجوم أريحا". كانت ليانة تعيش خارج الأراضي الفلسطينية وقد بدا ذلك واضحا في فضائها الروائي في البداية، ثم عادت إلى الضفة الغربية بعد أوسلو، وانتقلت بشخصيات رواياتها وثيماتها إلى الضفة الغربية.  ليانة أيضا تبدو مسكونة بالهموم النسوية، على استحياء في روايتها الأولى "بوصلة من أجل عباد الشمس" ثم بدا ذلك واضحا في روايتها "الخيمة البيضاء"، حيث النفس النسوي هنا لا يتجلى على السطح فقط من خلال استعراض احتجاج شخصياتها الأنثوية على وضعهن في المجتمع، بل من خلال تحقق الشخصية الأنثوية كإنسانة مناضلة تضطلع بدورها بنشاط في شتى مناحي الحياة.  ومن الكتاب المميزين الذين لفت نتاجهم الانتباه في سنوات الثورة الفلسطينية يحيى يخلف، الذي صدرت روايته اللافتة "نجران تحت الصفر" عام ١٩٧٧، واستخدم فيها الكاتب تجربته في العمل في السعودية لرصد واقع اجتماعي وسياسي قلق في تلك المنطقة. شخصيا أعتبر هذه الرواية أكثر روايات يخلف تميزا في لغتها وأسلوبها السردي وإضاءة ملامح شخصياتها. في رواياته اللاحقة ابتعد يخلف عن التجريبية واستقر على أسلوب سرد كلاسيكي كما بدا ذلك في روايتيه اللتين صدرتا بعد أوسلو "بحيرة وراء الريح" و"نهر يستحم في البحيرة" ورواياته اللاحقة الاخرى. ولا ننسى طبعا تجربة رشاد أبو شاور الذي رحل عن عالمنا منذ فترة قصيرة، وأبرز معالمها، الذي كان واضحا في معظم أعماله، نقد سلوكيات البعض في الثورة الفلسطينية وتصوير انتهازيتهم، وبدا هذا واضحا في روايته "الرب لم يسترح في اليوم السابع". حاول أبو شاور التجريب خاصة في قصصه القصيرة، إلا أنه عاد في رواياته إلى شكل السرد الكلاسيكي. في "الرب لم يسترح في اليوم السابع" يصور خروج المقاتلين الفلسطينيين من بيروت، حيث تدور معظم أحداث الرواية على متن الباخرة التي أقلتهم من بيروت إلى قبرص، ويبسط الضوء على بعض السلوكيات الانتهازية لمسؤولين ومتنفذين في المقاومة الفلسطينية. أوسلو وما بعدها يمكن رصد ظاهرتين في المزاج الأدبي السائد بعد أوسلو سواء كان في أوساط غالبية القراء أو غالبية النقاد ودور النشر، بعد توقيع اتفاقية أوسلو وعودة الكثير من الفلسطينيين المنفيين إلى الضفة الغربية وغزة. الظاهرة الأولى هي الارتداد إلى شكل مسطح لمفهوم الالتزام في الأدب، لا يرقى إلى مستوى ما أنتج خلال سنوات الثورة. أما الثاني فهو وضع الجوانب الشكلية، وخصوصا اللغة والتجريب في أشكال السرد في الصدارة. طبعا صدرت أعمال أدبية لا تلتزم بهذا التوجه، لكنها دفعت ثمنا هو التجاهل النقدي وأحيانا الهجوم سواء من القراء أو النقاد. من أبرز أسماء تلك الحقبة محمود شقير، الذي بدأ مسيرته الأدبية من خلال القصة القصيرة كما أسلفنا، وتدرج أسلوب السرد في قصصه القصيرة من الواقعية الاشتراكية إلى أساليب سرد حداثية ، ثم تابعها بكتابة روايات لافتة، ربما أكثرها شهرة رواية "مديح لنساء العائلة" التي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة بوكر العربية والتي يروي فيها الكاتب حكاية نساء عشيرة العبد اللات وبدايات الخروج على التقاليد السائدة . لعل من أغزر الروائيين إنتاجا (خصوصا بعد أوسلو) الروائي إبراهيم نصر الله، الذي يحظى بنجاح لافت، سواء في فلسطين أو خارجها، وترجم الكثير من اعماله إلى لغات عدة. يتماهى نصر الله في إنتاجه الروائي مع متطلبات المزاج الفلسطيني العام بأسلوب تغلب عليه الشعرية، وهو ربما أكثر الكتاب الفلسطينيين شعبية في أوساط القراء، كذلك أغزرهم إنتاجا. في روايته "زمن الخيول البيضاء" التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، يقدم نصر الله سردا رومانسيا شعري الأجواء لأحداث تدور قبل النكبة، وقد حظيت الرواية بشعبية كبيرة في أوساط القراء والنقاد، وأعتبرها شخصيا من أفضل أعماله. لقد أحببت الرواية، وإن كان لي مأخذ عليها: كونها من الأعمال الفلسطينية القليلة التي تصور المجتمع الفلسطينية قبل النكبة كنت أتمنى لو انتهج إبراهيم سردا كلاسيكيا اقدر على رسم ملامح واقعية لمجتمع غابت ملامحه ونرغب كفلسطينيين في استعادتها لمواجهة محاولات إسرائيل نفيها حينا وسرقتها في أحيان أخرى. من رواياته الأخرى التي أعجبتني رواية "شرفة العار" التي تتناول ظاهرة حساسة في المجتمعات العربية، هي ظاهرة "جرائم الشرف" تناول نصر الله في هذه الرواية يبتعد عن شعريته في "زمن الخيول" ويقترب من أسلوب السرد الواقعي، وجاء هذا في صالح الرواية.   ومن الروائيين الفلسطينيين الذي حازوا على جائزة "البوكر العربية " بدورهم بالإضافة لنصر الله الكاتب ربعي المدهون الذي نشر روايتين: "السيدة من تل أبيب"، و"مصائر: كونشيرتو الهولوكوست والنكبة". اعتمد المدهون في روايتيه التجريب الاسلوبي، وتناول في كليهما بشكل جريء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من خلال إعطاء مساحة للتفاعل المباشر مع الآخر من خلال حضور شخصيات إسرائيلية وفلسطينية في روايتيه. اثارت الروايتان جدلا وسعا وحادا بين المعجبين والمنتقدين، لكن الخلاف في معظمه كان سياسيا ولم يرتبط بالجوانب الفنية للرواية إلا في القليل.  وفاز فلسطيني ثالث بجائزة البوكر العربية هو باسم خندقجي الذي يقضي حكما مؤبدا بالسجن في السجون الإسرائيلية. وقال رئيس لجنة الجائزة عن الرواية الفائزة: "تغامر الرواية في تجريب صيغ سردية جديدة للثلاثية الكبرى: وعي الذات، وعي الآخر، وعي العالم، حيث يرمح التخييل مفككاً الواقع المعقد المرير، والتشظي الأسري، والتهجير، والإبادة والعنصرية. كما اشتبكت فيها، وازدهت، جدائل التاريخ والأسطورة والحاضر والعصر، وتوقّد فيها النبض الإنساني الحار ضد التخوين، كما توقدت فيها صبوات الحرية والتحرر من كل ما يشوه البشر، أفراداً ومجتمعات. إنها رواية تعلن الحب والصداقة هويةً للإنسان فوق كل الانتماءات". ومن الروائيين اللافتين في مرحلة ما بعد أوسلو الأكاديمي وليد الشرفا الذي حازت روايته "وارث الشواهد" اهتماما نقديا وفي صفوف القراء. انتهج الكاتب في روايته أسلوبا حداثيا يقوم على تعدد الأصوات السردية وتداخل الأزمنة السردية. ...

“اليهود العرب” وإنتاجهم الفكري في الحضارة الإسلامية

أسس قيام دولة إسرائيل لقطيعة في التراث اليهودي الناطق...

الصفحة الأولى في كتاب السينما المصرية

  ترجع بدايات السينما المصرية إلى عهد السينما الصامتة، والتي بدأت بتقديم بعض الأفلام الدعائية والتسجيلية البسيطة، إلى أن ظهر في 1923 الفيلم الروائي القصير الساخر «برسوم يبحث عن وظيفة» للمخرج محمد بيومي. لكن التأريخ لميلاد السينما المصرية يرتبط بتقديم أول فيلم روائي طويل. ومن الشائع أن يُذكر فيلم «زينب» للمخرج الكبير «محمد كريم»، الذي عُرض في 1930 كأول فيلم مصري طويل. فهذا ما تجده في كثير من المراجع ويتعلمه طلاب السينما. وورد في كتاب «مذكرات محمد كريم» الذي يتناول مسيرته الفنية، فقد جاء فيه نصًا أن «فيلم زينب هو الصفحة الأولى في كتاب السينما المصرية».

كان كريم قد عاد إلى مصر في 1926 من جولة في أوروبا، حيث عمل ممثلًا في أدوار صغيرة في إنتاجات سينمائية كبرى. ثم عمل في شركة «مصر للتياترو والسينما» التي أنشأها الاقتصادي الكبير طلعت حرب عام 1925، وكانت الشركة مكلَّفة بإخراج أفلام دعائية وتسجيلية قصيرة.

تجنب «كريم» الإشارة إلى الأفلام التي سبقت فيلم «زينب»، فبدت الساحة فارغة وكأنها تنتظر قدومه. ولكنه يفاجئ القارئ عند سرده أحداث العام 1950، حيث ينعى بإجلال كبير الفنانة «عزيزة أمير» مشيدًا بشجاعتها وبأنها أنتجت أول فيلم عربي، ذاكرًا بدقة تاريخ عرض فيلمها في عام 1927.

هذه المفارقة الكاشفة تقودنا إلى البحث الكبير للدكتور «علي شلش» عن نشأة وتطور «النقد السينمائي في الصحافة المصرية» الذي يضعنا في قلب أحداث هذه النشأة، عبر تتبع عشرات الصحف والمجلات المعاصرة لها، ومنها: العروس، والهلال، والصباح، وروز اليوسف، والستار، والكواكب، والملاهي المصورة، وغيرها.

فقد قُدم الحدث الكبير الذي تطلع إليه المشاهدون بنفاد صبر كبير في سينما متروبول، مساء الأربعاء 16 نوفمبر عام 1927، ليعرض فيلم «ليلى» من إنتاج شركة «إيزيس» التي أسستها «عزيزة أمير». وكانت كواليس صناعة الفيلم الأول تشغل الصحافة والقراء، منذ أعلنت أمير أنها تعمل على إنتاج فيلم روائي طويل هو «نداء الله» والذي لم تقدمه للجمهور لأنه خرج مخيبًا للآمال؛ حتى أعلنت عن عملها على فيلم «ليلى» الذي طُوِّر من الفيلم السابق، بعد أن استخلصت منه الأجزاء الصالحة للتطوير، والذي عاونها فيه شريكها في البطولة الفنان «إستيفان روستي» وقام بالإدارة الفنية لتصوير الأجزاء الجديدة منه.

أحدث ظهور الفيلم المصري الأول دويًّا هائلًا، فقد ضاق الجمهور ذرعًا بأنه لا يشاهد غير الأفلام الأجنبية. فكانت تتوالى على الصحف رسائله التي تطالب بإنتاج أفلام مصرية، وجمعيات هواة السينما المنتشرة تغص بأحلام ومشاريع لصنع أفلام مصرية، لكنها تصطدم بعدم توفر التمويل. وكان «طلعت حرب» يعارض القيام بهذه الخطوة بحجة أن الأفلام الروائية تحتاج إلى مجهودات فنية وخبرات تمثيلية لم تتوفر في مصر. فبُحت الأصوات من مناشدة رجال الأعمال باتخاذ هذه الخطوة التي أحجموا عنها، حتى جاءت أخيرًا على يد ممثلة شجاعة تعمل بفرقة رمسيس المسرحية.

 أشعل «ليلى» الفرح في قلوب الجمهور وعلت موجة من الحماس الوطني نحو سينما مصرية صميمة. فقد كانت للجاليات الأجنبية في مصر شركاتها التي تقدم أفلامًا تتناول الحياة في مصر مستعينة بممثلين مصريين. ولكنها حسب وصف «عزيزة أمير» قدمت صورة مشوهة عنا.

والمطلع على حواراتها في الصحف يدرك هذا البعد الوطني في مشروعها. وقد خاضت معركة مع من ادعوا أن فيلم الأخوين «لاما» «قبلة في الصحراء» هو الفيلم المصري الأول. وكان قد سبق فيلمها بثلاثة أشهر وعُرض في الإسكندرية. قدم الأخَوان لاما ذوا الأصل الفلسطيني من أمريكا اللاتينية، وكان أحدهما اسمه «بدرو»، غيرّه فيما بعد إلى «بدر». فحسمت أمير هذا الجدل في حوارها بمجلة «روز اليوسف»، إذ قالت إن الفيلم يكون مصريًا عندما يُنتج بأموال مصرية. كما اتهمت صناع الفيلم بالجهل الشديد بالتقاليد المصرية. ولكن إلى الآن، ستجد بين المراجع ما ينسب للأخوين لاما أول فيلم مصري.

ولم تكن «عزيزة أمير» وحدها التي طمحت إلى تقديم أفلام مصرية صميمة بأموال مصرية، فقد كان هذا هو موقف الفنانات اللاتي سارعن بتقديم أفلامهن بعد فيلم «ليلى». وخضن منافسة قاسية بميزانيات متواضعة وإمكانيات بسيطة. حيث عُرضت أفلامهن جنبًا إلى جنب مع الأفلام القادمة من هوليوود وأوروبا.

وإن كنا لا نعثر على شهادات لهؤلاء الفنانات عن مدى صعوبة البدايات، حين كانت الكاميرات بدائية ويُعتمد على ضوء الشمس في المشاهد النهارية، وتستعمل الكثير من الحيل البدائية في التصوير الداخلي كوضع المرايا وتكثيف الضوء بالورق المفضض، أو أسقف الأقمشة البيضاء الشفافة، فإن مذكرات كريم أفاضت في شرح هذه الصعوبات والكثير غيرها، التي واجهها في إخراج «زينب».

وفي إثر «ليلى» انطلقت أفلام النساء وأغلبهن من ممثلات المسرح. ففي عام 1928 أنتجت «فاطمة رشدي» فيلم «فاجعة فوق الهرم» و«فردوس حسن» فيلم «سعادة الغجرية»، وفي عام 1929، قدمت «آسيا داغر» فيلم «غادة الصحراء» وهي الممثلة لبنانية الأصل التي استمرت كمنتجة لعشرات الأفلام، من أشهرها فيلم «الناصر صلاح الدين». وفي نفس العام، قدمت «عزيزة أمير» فيلمها الثاني «بنت النيل» من كتابة «محمد عبد القدوس».

وفي عام 1930 قدمت «إنصاف رشدي» فيلم «تحت ضوء القمر»؛ فأثنى النقاد على تصوير مناظره في الريف. ومن اللافت أنه تزامن مع تصوير فيلم «زينب» الذي وصف «كريم» الصعوبات الجمة لتصويره في الريف، حين كان تعطل السيارة في طريق العودة إلى القاهرة يعني قضاء الليل في الصحراء والتعرض لهجوم الذئاب.

ونحن لا نعرف شيئًا عما واجهته «إنصاف رشدي» بإمكانياتها الإنتاجية البسيطة عند تصوير فيلمها في الريف. لكننا نعرف الكثير عن معاناة كريم، رغم أن شركة «رمسيس» كانت وراؤه بميزانيتها الكبيرة، والتي قدمت له ممثلي مسرح رمسيس وفتحت له مخازن ديكورات المسرح، ووفرت له الفنيين إضافة إلى الاستعانة بفنيي استوديو مصر. حتى إنها وضعت الأوركسترا الخاص بمسرح رمسيس تحت تصرفه، ليعزف بقيادة المايسترو الأجنبي المقطوعات الحزينة حين يهيئ الممثلين لتمثيل المشاهد الحزينة، ويعزف في الاستراحات المقطوعات الخفيفة والراقصة لترفه عنهم، التي كانت تحب «بهيجة حافظ» بطلة الفيلم أن ترقص عليها رقصة الشارلستون. وتجدر الإشارة هنا إلى مغالطة أخرى شائعة، تنسب إلى شركة طلعت حرب إنتاج فيلم «زينب»، بينما أنتجته شركة «رمسيس» المملوكة للفنان «يوسف وهبي».

توالت أفلام النساء في الأعوام الأولى من الثلاثينات، فأنتجت آسيا في عام 1931 فيلم «وخز الضمير» من إخراج الأخوين لاما وبطولتها. وانضمت إليهن «بهيجة حافظ» في 1932 كمنتجة ومخرجة لفيلم الضحايا، الذي ألفت أيضًا موسيقاه التصويرية؛ فكانت قد درست الموسيقى في أوروبا. وقدمت «فاطمة رشدي» فيلم «الزواج» عام 1933، إنتاجًا وتأليفًا وإخراجًا. وقدمت آسيا «عندما تحب المرأة». وفي عام 1934، قدمت «عزيزة أمير» فيلم «كفري عن خطيئتك»، وآسيا «عيون ساحرة»، و«بهيجة حافظ» «الاتهام» من إخراجها، ثم «ليلى بنت الصحراء» الذي كتبته وأخرجته. وفي 1937، كانت تجربة فريدة للممثلة “أمينة محمد» وهي خالة الفنانة «أمينة رزق» حيث أعلنت في الصحف عن فتح باب الاكتتاب من أجل إنتاج فيلمها «تيتا وونج»؛ فلاقت اهتمامًا كبيرًا من شباب الهواة الذين تحمسوا للعمل في الفيلم والمشاركة في تمويله، ومن بينهم أسماء لمعت فيما بعد كمخرجين كبار.

وما تطلعنا عليه صحف هذه الفترة يحفل بالتشجيع والإطراء لهؤلاء الفنانات. فلم يغب عن النقاد تثمين مبادراتهن التي عُدت إنجازًا وطنيًا. وقدموا نصائحهم الفنية بلطف، آخذين في الاعتبار ضعف الإمكانيات وقلة الخبرة. وكانت الدعاية لهذه الأفلام تخاطب الجمهور بعبارة: «واجبكم الوطني يحتم عليكم شهودها».

ثم راحت في الصفحات التالية من تاريخ السينما تتبلور طبيعتها كصناعة وتجارة كبرى، مبتعدة عن براءة البدايات على أيدي الهواة.

الاحتفاء بمبادرات النساء في السينما ينتمي للتيار الذي ساد الحقبة التي تلت ثورة 1919، وهو ما بدأ بتشجيع مشاركتهن السياسية في الثورة، ثم فتح المجال أمام تعليم الفتيات الذي لم يكن مسموحًا باستمراره بعد الدراسة الابتدائية، وبدء مناقشة حقوقهن في قوانين الأحوال الشخصية، ونشوء حركة نسوية نشطة بزعامة السيدة «هدى شعراوي». إنها الحقبة التي شهدت الاحتفاء بأول رخصة قيادة سيارة تُمنح لامرأة، وأول فتاة تقود طائرة، وأول دفعة طالبات يتخرجن من الجامعة.

من الواضح أن برحيل الجيل الذي عاصر هذه النهضة التي ربطت بين تقدم المجتمع ونهوض المرأة، بدأ النكوص. فلنا أن نتساءل: كيف لم تُحفظ أفلام النساء الأولى كما حُفظت أفلام نفس الجيل من الرجال؟ ولماذا جرى التعتيم على ما قدمنه لزمن طويل؟

يرصد شلش في كتابه أن أول إنكار للأولوية التاريخية لأفلام النساء جاء بعد عام 1952 على يد الباحث «سعد الدين توفيق». فربما يتسق هذا التبدّل مع موجة إعادة كتابة التاريخ السابق لثورة يوليو وفقًا لرؤيتها. فهل رغب مناصريها حقًا في تطهير نشأة السينما المصرية من بصمات النساء، أم أنه محض عمل فردي لباحثين لم يستطيعوا مغالبة تعصبهم الذكوري؟