الثلاثاء, مارس 3, 2026
الثلاثاء, مارس 3, 2026
ساهم

الوطنية المغربية-تحولات الأمة والهوية – تاليف حسن طارق

صدر حديثاً كتاب "الوطنية المغربية-تحولات الأمة والهوية" عن المركز...

قصة ضابط الجيش المصري الذي أسس أول فرقة لموسيقى الجاز

إيقاعات متأرجحة وارتجالات موسيقية، تتبعها صرخة "آه" متعجبة، وتعقبها...

التكنولوجيا الفائقة والعيش على حافة الفوضى

في ظهيرة هادئة، وبدون سابق إنذار، غرقت اثنتان من...

من النكبة إلى حرب غزة: كيف واكبت الرواية الفلسطينية مراحل الصراع؟

بالرغم من أن الرواية تعتبر جنسا أدبيا حديثا ووافدا على الثقافة العربية، قياسا بفنون أخرى مثل الشعر والخطابة، إلا أن إرهاصات الرواية الفلسطينية لم تتأخر عن مثيلاتها في الشرق العربي في أعقاب الحرب العالمية الأولى وظهور أفكار التحرر الوطني في المنطقة العربية. وقد تطورت فنون الرواية الفلسطينية مع تطور المراحل المختلفة للصراع فأصبحت أكثر تعقيدا واشتباكا مع تحولاته النضالية والسياسية.   تستعرض هذه المقالة بشكل مختصر نشأة الرواية الفلسطينية وتفاعلها مع واقعها الذي شكل الاحتلال مظهرا مفصليا فيه، وسأقسم هذا التناول إلى اربعة أجزاء: البدايات السردية، المؤسسون، الثورة الفلسطينية، ما بعد أوسلو. لا يمكن، بالتأكيد إضاءة كل التجارب السردية الفلسطينية بما يفيها حقها في مقالة محدودة، لذلك سأعمد إلى محاولة إضاءة ملامح كل مرحلة واستخدام إشارات موسوعية قصيرة إلى مختارات من أعمال من يمثلون كل مرحلة لتحفيز القارئ المهتم على التوسع في مطالعاته عن تلك التجارب. البدايات يعتبر النقاد والمؤرخون رواية "الوارث" للكاتب خليل بيدس ، والتي صدرت في عام 1920 أول رواية فلسطينية مطبوعة، ويرى الأكاديمي سليم تماري في تصريح أدلى به قبل سنوات أنها تشكل بداية مثيرة لرحلة الرواية العربية في فلسطين. وقد عثر شابان فلسطينيان هما فؤاد العكليك ورمزي الطويل على نسخة من الرواية التي وصفت بأنها "رواية اجتماعية غرامية تاريخية". طبعا لا تكمن أهمية الرواية في قيمتها الفنية التي لا يمكن أن تحاكم وفقا لمعايير فنية محضة، بل في أهميتها التاريخية التوثيقية لبدايات هذا الشكل السردي في فلسطين. فقد مثلت نكبة 1948 صدمة مفصلية في حياة الشعب الفلسطيني، ومن الطبيعي ان تكون حاضرة في النتاج الأدبي لهذا الشعب منذ بداياته. سبقت بدايات الشعر الفلسطيني، الذي انشغل بدوره بالقضية المركزية حتى قبل نكبة عام ١٩٤٨ ، الرواية في تعاطيه مع ما يشغل المجتمع الفلسطيني، وعكست القصائد الأولى  الهموم الوطنية منذ ما بين الحربين العالميتين. كتب الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان (١٩٠٦-١٩٤١) أولى قصائده الوطنية خلال الانتداب البريطاني، وهو مؤلف نشيد "موطني" الذي اعتمدته عدة دول عربية بتلحين الأخوين فليفل اللبنانيين نشيدا وطنيا، والكثير من الفلسطينيين يعتبرونه بدورهم نشيدا وطنيا، مع أن السلطة الوطنية ارتأت اعتماد إحدى أغاني الثورة الفلسطينية التي تحمل عنوان "فدائي". وقد تتلمذت الشاعرة فدوى طوقان (١٩١٧-٢٠٠٣) على شقيقها الذي رحل مبكرا وتابعت صقل موهبتها حتى تشكلت لها شخصية شعرية مميزة، وكان باكورة إنتاجها ديوان "وحدي مع الأيام" الذي صدر عام ١٩٥٢. ومن الشعراء الذين واكب نشاطهم الشعري نضال الشعب الفلسطيني في مواجهة مخططات تقسيم فلسطين ابن بلدتي عنبتا الشاعر عبد الرحيم محمود (١٩١٣-١٩٤٨)، صاحب القصيدة ذائعة الصيت ومطلعها "سأحمل روحي على راحتي وألقي بها في مهاوي الردى، فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدى". استشهد عبد الرحيم محمود في معركة الشجرة عام ١٩٤٨. بعد النكبة ظهر جيل جديد من الشعراء الفلسطينيين (محمود درويش، سميح القاسم، توفيق زياد، نوح إبراهيم، سالم جبران وغيرهم) في مدن وقرى فلسطين المحتلة، واضطلع شعرهم من بداياته بمهمة نضالية ألقت بظلالها على هويته الأدبية، إذ كانت بداياته خطابية غنائية تتسم بالمباشرة، تغيرت فيما بعد مع تنوع التجارب السياسية والحياتية لمبدعيه كما شاهدنا خاصة في تجارب محمود درويش وسميح القاسم. السرد ما بعد النكبة   كانت القصة القصيرة هي الشكل السائد للسرد بعد النكبة، حيث برزت أعمال الكتاب محمود سيف الدين الإيراني وخليل بيدس الذين بدءا نشاطهما قبل النكبة، ثم تبعهما كتاب وكاتبات مثل سميرة عزام وخليل السواحري ومحمود شقير وغسان كنفاني وغيرهم، لكن الرواية الفلسطينية الناضجة شكليا تأخرت إلى ما بعد عام ١٩٦٧، ويمكن القول إن النكسة أثرت على نضوجها وتبلور مشروعها. منذ بداية مشروع الرواية الفلسطينية اتسمت بصفتين لازمتا معظم الأعمال التي صدرت حتى الآن: الأولى هي الشكل المغترب عن البيئة والمتسم باجتهادات ذهنية فردية متأثرة بالإنجازات العالمية، وعلى الرغم من وجود تجارب لافتة في هذا المجال إلا أن الملاحظ على معظمها أنها اقتصرت على الشكل السردي، وسنعود لنقاش هذا الجانب عند الحديث عن اعمال محددة.  والثانية هي التشبث الشكلي بمفهوم ساذج للالتزام بقضية فيما يمكن اعتباره تفسيرا فجا لمفهوم الواقعية الاشتراكية في الأدب. الآباء المؤسسون كان غسان كنفاني (١٩٣٦-١٩٧٢) من أوائل الروائيين الفلسطينيين الذين بلوروا مشروعا سرديا  واضح المعالم مبنيا على الإنجازات السردية العالمية، وشكلت روايته الأولى "عائد إلى حيفا" الصادرة عام ١٩٦٩ نقلة نوعية في السرد الفلسطيني وبداية ناضجة للرواية كجنس أدبي في فلسطين. شكل الحدث المفصلي في حياة الفلسطينيين، نكبة عام ١٩٤٨، وما تبع ذلك من تداعيات: النكسة، المقاومة بأشكالها، ولاحقا اتفاق اوسلو وتداعياته، المحور الذي دارت حوله الرواية الفلسطينية التي لم تتمكن بسهولة من الخروج من هذا الإطار السردي، شكلا وموضوعا. من اللافت أن غسان كنفاني، ومنذ بداياته، اهتم بالشكل السردي وانفتح على المدارس والتوجهات العالمية في الرواية، فكان أول من وظف تقنيات حداثية عالمية مثل "تيار الوعي" الذي عرف في الولايات المتحدة منذ بدايات القرن العشرين وهي تقنية تحاول التقاط التدفق الطبيعي لعملية التفكير الممتدة للشخصية، غالبا عبر دمج الانطباعات الحسية والأفكار غير المكتملة.  في روايته الأولى "عائد إلى حيفا" يختار كنفاني المواجهة بين السردية الفلسطينية والإسرائيلية، من خلال حوار بين الأب والأم الفلسطينيين من جهة وابنهما الذي تركاه سهوا في المنزل عند الرحيل المتعجل عن الوطن عام ١٩٤٨ لتقوم بتربيته عائلة يهودية استوطنت منزلهما. لعل رواية غسان هذه، رغم الاحتفاء الفلسطيني والعربي العظيم بها، هي الاقل نضجا سرديا بين رواياته، حيث تقحم الرؤية السياسية على الحوار بشكل فج يجعله ملائما للاستخدام كشعارات سياسية على وسائل التواصل الاجتماعي "هل تعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ الوطن ألا يحدث هذا كله " و " تستطيعان مؤقتا البقاء في بيتنا، فذلك أمر تحتاج تسويته إلى حرب".  الإشكالية في الاقتباسين السابقين تكمن في أنهما مقحمان على طبيعة اللقاء بين الفلسطيني (المستلب، الخارج لتوه من حرب هزم فيها، مرة أخرى، وفقد ما تبقى من وطنه) والإسرائيلي (الذي لم يفق بعد من نشوة النصر والغرور الذي اكتسبه عبر النصر الجارف الذي حققه جيش دولته في الخامس من حزيران). أنا ابن الضفة الغربية، وكنت شاهدا على علاقة الفلسطيني بالإسرائيلي عقب هزيمة حزيران: في الأيام الأولى كان اهل الضفة يعيشون حالة رعب من احتمال حدوث مجازر كتلك التي اقترفها الجيش الإسرائيلي عقب النكبة، وحين مرت الأيام ولم تقع مجازر بدأ الناس يطمئنون قليلا، ولكن نظرتهم للمدنيين الإسرائيليين الذين بدأوا يغزون مدن وأسواق الضفة الغربية شابها الفضول الحذر وليس التحدي والمواجهة المباشرة. أما من يدخل إلى الضفة الغربية وعبرها إلى الداخل الفلسطيني عن طريق الجسر فهو يكون في العادة أكثر توجسا وحذرا، ولا يملك هذه الجرأة والثقة بالنفس التي كانت واضحة في خطاب سعيد في رواية عائد إلى حيفا. في روايات غسان التي تلت كان صوته السردي أقل انفعالا، وشخصياته تتحرك وتتحدث بلسانها لا بلسان كاتبها كما هو الحال في "عائد إلى حيفا"، وحتى حين استخدم في رواية "رجال في الشمس" مقولة (تساؤلا) حوله الفلسطينيون إلى شعار سياسي “لماذا لم يطرقوا جدران الخزان؟" جاء ذلك ملتحما بالنسيج العضوي للرواية ووقعه بدا طبيعيا غير مقحم لا على السياق ولا على طبيعة لغة قائله (أبو الخيزران سائق الشاحنة). أما قمة التألق السردي لغسان فقد تجلى في “ما تبقى لكم" وهي رواية قصيرة أو "نوفيلا" استخدم فيها غسان الرمز بكثافة كما استخدم تقنية تيار الوعي. يحكي العمل قصة ثلاثة اشخاص، مع ان الشخصيات في الرواية يمكن اعتبارها خمسة حيث الساعة والصحراء حاضرتان بقوة تبرر اعتبارهما شخصيات.  الشخصيات الآدمية هي حامد، وشقيقته مريم وزوجها زكريا. تستغرق الأحداث اقل من يوم لكن المؤلف يستخدم تقنية "الفلاش باك" ليعطينا خلفية للقصة. في هذه القصة استخدم كنفاني الساعة كرمز لتداخل سرد الأحداث التي تدور في أوقات مختلفة والصحراء كسارد لها، لكن الحقيقة أن الهدف من جعل الصحراء ساردا ليس واضحا، فهي تقوم بهذا الدور مثل اي سارد تقليدي. أما ثاني الثلاثي السردي (الذين يعتبرون آباء الرواية الفلسطينية) فهو جبرا إبراهيم جبرا. في رواياته التي تملك صوتا سرديا راسخا، يقوم جبرا بنحت نموذج طوباوي للفلسطيني: الناجح، الناجي، القدوة… لنأخذ رواية "البحث عن وليد مسعود" كنموذج لروح السرد عند جبرا: وليد مسعود فلسطيني يعيش في بغداد، رجل أعمال ناجح، مثقف، يتنقل بين أحضان النساء المعجبات بشخصياته وينتزع الحسد من الرجال الذين قد يتحول ذلك عندهم إلى حقد وكراهية. الصوت السردي محكم، والشخصيات (حيث هي كيان من لحم ودم تتطور بشكل عضوي) مقنعة، لكنها "منمذجة"(idealized ) بشكل واضح. ونأتي الآن إلى الاب الثالث للرواية الفلسطينية، إميل حبيبي، ورائعته "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل". هذه الرواية لا تشبه أي شيء سابق أو لاحق في السرد الفلسطيني: يزاوج أسلوبها السردي السخرية اللاذعة من الذات والضحك المر باللغة الكلاسيكية والتراث التاريخي والشخصيات الكاريكاتيرية. لم ينجح سارد فلسطيني بإضاءة تناقضات الشخصية الفلسطينية في تعاملها مع واقعها المر كما فعلت هذه الرواية: الفلسطيني فيها براغماتي/ثائر، متصالح / مفعم بالتحدي ساخر (من الذات بالدرجة الأولى). فيها دفء إنساني، ضحك ومرارة. تشبه الإنسان الفلسطيني بلامعقوليته وتناقضاته التي تتعايش في كيان هش يتحدى الكسر. لعل تصوير الشخصية الفلسطينية في هذه الرواية هو الأكثر شجاعة وثراء في السرد الفلسطيني على الإطلاق، فهي تتطور، كما لغة السرد، بالتداعي، وبشكل عضوي، وكأن خالقها (الروائي) سها، عمدا، عن مسارات تطورها، فتركها تقدم نفسها لشكل قد لا يروق لأصحاب رؤية "وضع النماذج الإيجابية في الواجهة". وبلغت شجاعة الكاتب السردية درجة مكنته من التحرر من أناه الأخرى (السياسي الملتزم، ابن الحزب الشيوعي الذي يحبذ النقد الإيجابي الهادف عوضا عن السخرية). لم "يرقني موضوع "الفضائيين" كإطار للسرد في الرواية، احسسته مقحما، لكن الرواية ككل أبهرتني. بقيت الرواية متفردة في نتاج إميل حبيبي، فلا يقاربها في تفردها الأسلوبي اي من اعماله القليلة الاخرى. تنوعت تجارب الروائيين الفلسطينيين بعد الآباء المؤسسين، واتسم أسلوب السرد عندهم بالذاتية، أي أن كلا منهم يعكس توجهه (الذهني) الذات في تجربته السردية، وإن كان التأويل الفلسطيني لمفهوم الواقعية الاشتراكية هو السائد.. نشرت سحر خليفة روايتها الأولى "لم نعد جواري لكم" عام ١٩٧٤، ثم أتبعتها برواية أكثر نضجا أسلوبيا تحمل عنوان "الصبار" لتتلوها رواية “عباد الشمس" ، وكلاهما ترصدان المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية بعد النكسة. منذ بداية تجربة سحر السردية يمكن رصد نفس نسوي، بدأ بروايتها الأولى التي تصرح بهذا التوجه عبر عنوانها "لم نعد جواري لكم" ثم فيما تلا من روايات. في البداية لم يلاحظ القارئ تصدر "القضية" على حساب الصنعة الروائية، لكن هذا لم يلبث ان حصل في بعض رواياتها اللاحقة. من الروائيات الفلسطينيات اللواتي بدأن نشاطهن في العقد الثامن من القرن العشرين أيضا ليانة بدر، حيث تناولت في روايتها الأولى "بوصلة من أجل عباد الشمس" أحداث أيلول في الأردن عام ١٩٧٠.   أصدرت ليانة لاحقا عددا من الروايات منها "عين المرأة" و"الخيمة البيضاء" و"نجوم أريحا". كانت ليانة تعيش خارج الأراضي الفلسطينية وقد بدا ذلك واضحا في فضائها الروائي في البداية، ثم عادت إلى الضفة الغربية بعد أوسلو، وانتقلت بشخصيات رواياتها وثيماتها إلى الضفة الغربية.  ليانة أيضا تبدو مسكونة بالهموم النسوية، على استحياء في روايتها الأولى "بوصلة من أجل عباد الشمس" ثم بدا ذلك واضحا في روايتها "الخيمة البيضاء"، حيث النفس النسوي هنا لا يتجلى على السطح فقط من خلال استعراض احتجاج شخصياتها الأنثوية على وضعهن في المجتمع، بل من خلال تحقق الشخصية الأنثوية كإنسانة مناضلة تضطلع بدورها بنشاط في شتى مناحي الحياة.  ومن الكتاب المميزين الذين لفت نتاجهم الانتباه في سنوات الثورة الفلسطينية يحيى يخلف، الذي صدرت روايته اللافتة "نجران تحت الصفر" عام ١٩٧٧، واستخدم فيها الكاتب تجربته في العمل في السعودية لرصد واقع اجتماعي وسياسي قلق في تلك المنطقة. شخصيا أعتبر هذه الرواية أكثر روايات يخلف تميزا في لغتها وأسلوبها السردي وإضاءة ملامح شخصياتها. في رواياته اللاحقة ابتعد يخلف عن التجريبية واستقر على أسلوب سرد كلاسيكي كما بدا ذلك في روايتيه اللتين صدرتا بعد أوسلو "بحيرة وراء الريح" و"نهر يستحم في البحيرة" ورواياته اللاحقة الاخرى. ولا ننسى طبعا تجربة رشاد أبو شاور الذي رحل عن عالمنا منذ فترة قصيرة، وأبرز معالمها، الذي كان واضحا في معظم أعماله، نقد سلوكيات البعض في الثورة الفلسطينية وتصوير انتهازيتهم، وبدا هذا واضحا في روايته "الرب لم يسترح في اليوم السابع". حاول أبو شاور التجريب خاصة في قصصه القصيرة، إلا أنه عاد في رواياته إلى شكل السرد الكلاسيكي. في "الرب لم يسترح في اليوم السابع" يصور خروج المقاتلين الفلسطينيين من بيروت، حيث تدور معظم أحداث الرواية على متن الباخرة التي أقلتهم من بيروت إلى قبرص، ويبسط الضوء على بعض السلوكيات الانتهازية لمسؤولين ومتنفذين في المقاومة الفلسطينية. أوسلو وما بعدها يمكن رصد ظاهرتين في المزاج الأدبي السائد بعد أوسلو سواء كان في أوساط غالبية القراء أو غالبية النقاد ودور النشر، بعد توقيع اتفاقية أوسلو وعودة الكثير من الفلسطينيين المنفيين إلى الضفة الغربية وغزة. الظاهرة الأولى هي الارتداد إلى شكل مسطح لمفهوم الالتزام في الأدب، لا يرقى إلى مستوى ما أنتج خلال سنوات الثورة. أما الثاني فهو وضع الجوانب الشكلية، وخصوصا اللغة والتجريب في أشكال السرد في الصدارة. طبعا صدرت أعمال أدبية لا تلتزم بهذا التوجه، لكنها دفعت ثمنا هو التجاهل النقدي وأحيانا الهجوم سواء من القراء أو النقاد. من أبرز أسماء تلك الحقبة محمود شقير، الذي بدأ مسيرته الأدبية من خلال القصة القصيرة كما أسلفنا، وتدرج أسلوب السرد في قصصه القصيرة من الواقعية الاشتراكية إلى أساليب سرد حداثية ، ثم تابعها بكتابة روايات لافتة، ربما أكثرها شهرة رواية "مديح لنساء العائلة" التي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة بوكر العربية والتي يروي فيها الكاتب حكاية نساء عشيرة العبد اللات وبدايات الخروج على التقاليد السائدة . لعل من أغزر الروائيين إنتاجا (خصوصا بعد أوسلو) الروائي إبراهيم نصر الله، الذي يحظى بنجاح لافت، سواء في فلسطين أو خارجها، وترجم الكثير من اعماله إلى لغات عدة. يتماهى نصر الله في إنتاجه الروائي مع متطلبات المزاج الفلسطيني العام بأسلوب تغلب عليه الشعرية، وهو ربما أكثر الكتاب الفلسطينيين شعبية في أوساط القراء، كذلك أغزرهم إنتاجا. في روايته "زمن الخيول البيضاء" التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، يقدم نصر الله سردا رومانسيا شعري الأجواء لأحداث تدور قبل النكبة، وقد حظيت الرواية بشعبية كبيرة في أوساط القراء والنقاد، وأعتبرها شخصيا من أفضل أعماله. لقد أحببت الرواية، وإن كان لي مأخذ عليها: كونها من الأعمال الفلسطينية القليلة التي تصور المجتمع الفلسطينية قبل النكبة كنت أتمنى لو انتهج إبراهيم سردا كلاسيكيا اقدر على رسم ملامح واقعية لمجتمع غابت ملامحه ونرغب كفلسطينيين في استعادتها لمواجهة محاولات إسرائيل نفيها حينا وسرقتها في أحيان أخرى. من رواياته الأخرى التي أعجبتني رواية "شرفة العار" التي تتناول ظاهرة حساسة في المجتمعات العربية، هي ظاهرة "جرائم الشرف" تناول نصر الله في هذه الرواية يبتعد عن شعريته في "زمن الخيول" ويقترب من أسلوب السرد الواقعي، وجاء هذا في صالح الرواية.   ومن الروائيين الفلسطينيين الذي حازوا على جائزة "البوكر العربية " بدورهم بالإضافة لنصر الله الكاتب ربعي المدهون الذي نشر روايتين: "السيدة من تل أبيب"، و"مصائر: كونشيرتو الهولوكوست والنكبة". اعتمد المدهون في روايتيه التجريب الاسلوبي، وتناول في كليهما بشكل جريء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من خلال إعطاء مساحة للتفاعل المباشر مع الآخر من خلال حضور شخصيات إسرائيلية وفلسطينية في روايتيه. اثارت الروايتان جدلا وسعا وحادا بين المعجبين والمنتقدين، لكن الخلاف في معظمه كان سياسيا ولم يرتبط بالجوانب الفنية للرواية إلا في القليل.  وفاز فلسطيني ثالث بجائزة البوكر العربية هو باسم خندقجي الذي يقضي حكما مؤبدا بالسجن في السجون الإسرائيلية. وقال رئيس لجنة الجائزة عن الرواية الفائزة: "تغامر الرواية في تجريب صيغ سردية جديدة للثلاثية الكبرى: وعي الذات، وعي الآخر، وعي العالم، حيث يرمح التخييل مفككاً الواقع المعقد المرير، والتشظي الأسري، والتهجير، والإبادة والعنصرية. كما اشتبكت فيها، وازدهت، جدائل التاريخ والأسطورة والحاضر والعصر، وتوقّد فيها النبض الإنساني الحار ضد التخوين، كما توقدت فيها صبوات الحرية والتحرر من كل ما يشوه البشر، أفراداً ومجتمعات. إنها رواية تعلن الحب والصداقة هويةً للإنسان فوق كل الانتماءات". ومن الروائيين اللافتين في مرحلة ما بعد أوسلو الأكاديمي وليد الشرفا الذي حازت روايته "وارث الشواهد" اهتماما نقديا وفي صفوف القراء. انتهج الكاتب في روايته أسلوبا حداثيا يقوم على تعدد الأصوات السردية وتداخل الأزمنة السردية. ...

ترامب: حين تتجسد ثقافة “التفاهة” في شخص الرئيس

ثقافة "الحشو" الأمريكية تمظهرت في برامج تليفزيون الواقع في...

قصة ضابط الجيش المصري الذي أسس أول فرقة لموسيقى الجاز

إيقاعات متأرجحة وارتجالات موسيقية، تتبعها صرخة “آه” متعجبة، وتعقبها سلسلة من النغمات المتقطعة التي تبدو وكأنها غير متناسقة، لكنها ليست كذلك. جماهير تنهض على أقدامها، تنقر الأرض وترقص على وقع الموسيقى المبهجة. هذه هي الصورة المألوفة لموسيقى الجاز التي ترددت في مدن أمريكا الشمالية خلال النصف الأول من القرن العشرين ولا تزال نابضة بالحياة حتى اليوم.

 البعض قد يستحضر أصوات فرانك سيناترا العذبة أو أنغام الجاز الياباني العالمية، أو حتى معزوفات الجاز المتوافرة على  يوتيوب التي تقدم “جاز للدراسة” أو “جاز للنوم”. لكن مهما شطح بنا الخيال، فمن المستبعد أن تثير ذكرى موسيقى الجاز صورة لمصر في الستينيات. أم هل تفعل؟

هنا يأتي ذكر الموسيقار المصري صلاح رجب. الذي وُلد في يوليو 1935 لعائلة عسكرية، وكان أصغر إخوته الخمسة، وبحكم التقاليد العائلية كان عليه أن يسير على خطى والده وينضم إلى القوات المسلحة المصرية. وبالفعل، صعد في السلك العسكري حتى وصل إلى رتبة رائد قبل أن يتقاعد من الخدمة في أوائل السبعينيات، بل وشارك في الحرب بين مصر وإسرائيل عام 1967. في مقابلة مع ابن شقيقه، أعرب عن اعتقاده بأن هذا الشعور بالواجب ربما أجبر عمه صلاح رجب على تجاهل رغبته الشخصية في متابعة حياته كموسيقي وعازف إيقاع. لكن، ربما يكون موقع رجب في الجيش هو الذي مكنه من أن يصبح أول موسيقار للجاز في مصر.

لا نعرف ما الذي ألهم رجب في البداية، لكنه بدأ في تقديم عروض للجمهور مع فرقته “نايل دايموندز” عام 1958. كانت فرقة خماسية تتألف من عازف بيانو، وعازف كلارينت وساكسفون تينور، وعازف جيتار، وعازف كونترباص، مع رجب على الطبول. قدمت الفرقة الموسيقى الغربية واللاتينية كتمهيد لفرقة الجاز التي سيشكلها لاحقًا. وفقًا لابن شقيقه، كان أول تعارف بين رجب وموسيقى الجاز عام 1954 عندما كانت الإذاعة المصرية تبث ألحان فرقة “ليونيل هامبتون” الكبيرة . ولمن لا يعرف، فإن الفرقة الكبيرة هي أشبه بأوركسترا الجاز وتتكون عادة من أكثر من 10 موسيقيين. لكن الأمر استغرق عقدًا آخر قبل أن يقدم ر رجب أول حفل جاز مباشر له ويبدأ في تكوين حلمه الخاص بتأسيس فرقة جاز مصرية كبيرة.

ننتقل إلى عام 1966، عندما جاء عازف البيانو والملحن الأمريكي راندي ويستون إلى القاهرة لتقديم حفل في قاعة إيوارت التذكارية بالجامعة الأمريكية، ضمن سلسلة حفلاته “تاريخ الجاز”. كان ويستون معروفًا بتبنيه لتوجه أفريقي (وحدة الشعوب الأفريقية) وبسرديته التي تضع التأثيرات الأفريقية في صميم موسيقى الجاز. و يبدو أن هذه الرسالة تركت انطباعًا عميقًا لدى أحد الحاضرين، الضابط العسكري وقائد الفرقة الموسيقية، صلاح رجب. كرجل عسكري مخلص، أعرب رجب عن ولائه لرؤية الرئيس جمال عبد الناصر للوحدة العربية والأفريقية، وكونه من عائلة تتعاطف مع هذه الأفكار، وقع في حب هذه القضية- قضية الجاز، تحديدًا.

في نفس الفترة تقريبًا، وربما في نفس الحفل، التقى رجب بشخصيتين ستغيران مسار حياته الموسيقية: هارتموت غيركن وإدوارد “إيدو” فيزفاري. كان غيركن موسيقيًا وملحنًا ألمانيًا يعيش في مصر ويعمل في معهد غوته، بينما كان فيزفاري عازف كونترباص ومدرس موسيقى تشيكيًا. شارك هذان الأوروبيان طموح رجب في إنشاء فرقة جاز كبيرة، وعملوا معًا على تحقيق ذلك. كان رجب قد خاض بالفعل تجربة قصيرة كعازف إيقاع في فرقة جاز، حيث تعاون مع فرقة “ماك إكس سبيرز” الرباعية للجاز. كان ذلك الاسم الفني لعازف الساكسفون الأمريكي عثمان كريم، الذي جاء إلى مصر لدراسة الإسلام والهروب من العنصرية ضد السود التي واجهها في مسقط رأسه، كانساس سيتي. لكن هذا المشروع الواعد انتهى سريعًا بسبب حرب 1967، التي أدت إلى تصاعد المشاعر المناهضة لأمريكا في مصر، مما أجبر ماك إكس سبيرز وموسيقيين آخرين أجانب على مغادرة البلاد.

بحلول عام 1968، تمت ترقية رجب إلى منصب رئيس إدارة الموسيقى العسكرية في الجيش المصري، وهو ما شكل نقطة تحول حاسمة. أصبح حلمه في تشكيل فرقة جاز كبيرة بمساعدة غيركن وفيزفاري قريب المنال، إذ باتت لديه إمكانية الوصول إلى حوالي 3000 من أفضل الموسيقيين في البلاد، بالإضافة إلى جميع أنواع الآلات الموسيقية التي يمكن تخيلها. وبالفعل، تم تجنيد حوالي 20 موسيقيًا من الجيش المصري لتشكيل فرقة القاهرة للجاز. لم يكن لأي من هؤلاء الموسيقيين أي خبرة سابقة في موسيقى الجاز، لكن هذا لم يكن عائقًا بالنسبة لرجب. كان ملتزمًا تمامًا بتزويدهم بالتعليم المطلوب، لدرجة أنه يُقال إن الأعضاء المحتملين للفرقة كانوا يواجهون عقوبة السجن العسكري إذا رفضوا الانضمام إليها!

تحت قيادة رجب، اكتسب مقر إدارة الموسيقى العسكرية في حي مصر الجديدة (هليوبوليس) لقب “بيت الجاز”.  لكن الأمر استغرق حوالي عام قبل أن بتأقلم أعضاء الفرقة مع أسلوب الجاز الجديد، وبحلول فبراير 1969، كانوا مستعدين لتقديم أول حفل موسيقي لهم. أقيم الحفل في قاعة إيوارت ، وهو نفس المكان الذي شهد أول تجربة لرجب مع أداء راندي ويستون أمام الجمهور. قدمت الفرقة مقطوعات أصلية من تأليف رجب، وغيركن، وفيزفاري، بالإضافة إلى أعمال لموسيقيي الجاز المشهورين مثل ديزي غيليسبي، ونات أديرلي، وكاونت باسي. لاقت العروض استحسان الجمهور، واستمرت الفرقة في تقديم حفلاتها في أماكن شهيرة مثل دار الأوبرا المصرية ونادي إل كابو للجاز في الزمالك.

خلال مسيرته الموسيقية، تعاون رجب مع العديد من الموسيقيين البارزين، لكن ربما كانت أكثر شراكاته شهرة وتأثيرًا تلك التي جمعته مع صن را وفرقة  Sun Ra Arkestra . كان صن را، واسمه الحقيقي هيرمان بول بلونت، عازف بيانو وملحنًا وقائد فرقة جاز أمريكيًا أفريقيًا. اشتهر بأسلوبه الذي مزج بين الجماليات الصوتية الإفريقية والرموز والأساطير المصرية القديمة، ما أدى إلى إنتاج موسيقى جاز تجريبية من الناحية الصوتية والبصرية. من المثير للاهتمام أن ينجذب قائد فرقة عسكرية مثل رجب إلى الجماليات التي تبناها صن را، لكن هذا اللقاء أدى إلى تعاون لا يُنسى. ورغم تضارب الروايات حول كيفية لقاء رجب وصن را لأول مرة، إلا أن هناك بعض الحقائق المؤكدة.

الأمر الأول المؤكد هو أن صن را وفرقته ، التي ضمت 22 موسيقيًا، زاروا مصر في عام1971  وقدموا عرضًا عند الأهرامات في 12  ديسمبر. خلال نفس الرحلة، قاد صن را حفلات موسيقية مباشرة تم تسجيلها وإصدارها لاحقًا في ألبوم    Egypt 1971 . أُقيمت هذه الحفلات في مكانين: الأول في مسرح البالون في العجوزة، والذي لا يزال يعمل حتى اليوم مستضيفًا عروضًا مسرحية متنوعة؛ والثاني في منزل هارتموت غيركن، الشريك المؤسس لفرقة القاهرة للجاز مع رجب وفيزفاري. تُعد علاقة غيركن بصن را مؤشرًا قويًا على كيفية التقائهما وتعاونهما. كما يُنسب لغيركن التقاط معظم الصور التي وثّقت زيارة صن را التاريخية لمصر عام 1971.

وعلى الرغم من هذه العلاقة الوثيقة، استغرق الأمر عشر سنوات أخرى قبل أن يصدر صن را ورجب ألبومهما المشترك. بحلول ذلك الوقت، كان رجب قد أصدر بالفعل ألبومه مع فرقة القاهرة للجاز عام 1973 تحت عنوان “جاز مصري” واحتوى ست مقطوعات موسيقية هي “مزاج شرقي” و “فجر” و ” ميرفت” و “نيفين” و “كليوباترا” و”رمضان”.  

كانت شركة “صوت القاهرة” للتسجيلات المملوكة للدولة هي جهة الإصدار، وهي نفس الشركة التي تولت إصدار وتوزيع تسجيلات أم كلثوم. وفي العام التالي، 1974، أُعيد إصدار الألبوم نفسه ولكن تحت عنوان “خيلاء مصرية” أو Egypt Strut، دون أي تغيير في قائمة الأغاني الأصلية باستثناء إعادة تسمية أغنية “Ramadan” إلى “Ramadan in Space Time”. ومع ذلك، لم يكن هناك تفسير واضح وراء تغيير اسم الألبوم، خاصة أن جميع الأطراف المعنية ظلت كما هي. من الممكن أن يكون العنوان الجديد قد جذب انتباه الموسيقي الأمريكي فرانك زابا، الذي أصدر مقطوعة موسيقية بعنوان “Regyptian Strut”  ضمن ألبومه Sleep Dirt  عام 1979، لكن لا يوجد دليل على وجود صلة مباشرة بينهما.

يُعد التعاون بين رجب وصن را محاولة جريئة ولافتة لصياغة جاز مصري أصيل. تم تصنيف الألبوم ضمن نوع “الجاز الحر”، وهو نهج تجريبي طليعي يتحدى القواعد التقليدية للموسيقى. الألبوم يستند إلى الإيقاعات والنغمات العربية التقليدية، لكنه يعيد توجيهها صوتيًا بشكل مبتكر. فقد جمع بين الآلات الموسيقية التقليدية مثل الناي  والبازة (الطبلة التي تُقرع في شوارع مصر وقت السحور في رمضان)، وآلات أكثر شيوعًا في عالم الجاز مثل الساكسفون، والترومبيت، والبيانو، مما جعله مزيجًا موسيقيًا ممتعًا يعكس تلاقح الثقافات.

وفي عام 2021، أُعيد إصدار الألبوم متضمنا مقطوعات إضافية مثل “A Farewell Theme”، التي وضعت لإحياء ذكرى وفاة الرئيس جمال عبد الناصر وقيل إنها عُزفت خلال جنازته، ومقطوعة “العبور” التي أُهديت إلى الرئيس أنور السادات وأحداث حرب أكتوبر.

عاد صن را إلى مصر مع فرقته في عام 1984، وكانت ثمرة اللقاء  إصدار ألبوم “صن را أركيسترا تلتقي صلاح رجب في مصر”  “Sun Ra Arkestra Meets Salah Ragab in Egypt” وتضمن معظم المقطوعات التي صدرت في ألبوم جاز مصري،  وجمع حوالي 35  موسيقيا من فرقة صن را والقاهرة للجاز، كما تعاون رجب وصن را في ألبوم آخر أقل شهرة بعنوان “Sun Rise in Egypt”، صدر أيضًا عام 1984 . تألف الألبوم الاخير من ست مقطوعات، معظمها من تأليف صن را، باستثناء واحدة كتبها عازف البيانو الشهير ثيلونيوس مونك، فيما أدى رجب دور عازف الإيقاع في جميع الأغاني.

قصة صلاح رجب، كأول “رجل جاز” في مصر، وصانع جاز مصري فريد صوتيًا، هي قصة مشوقة وغريبة بعض الشيء، خاصة عند النظر إلى واقع الجاز في مصر اليوم. فبالرغم من أن الجاز لا يحظى بشعبية كبيرة في مصر حاليًا، إلا أن رجب نجح في تحقيق إنجاز موسيقي استثنائي. معظم المصريين اليوم لم يسمعوا عن رجب، الذي وافته المنية عام 2008، ولم يتعرفوا على ألحانه الساحرة. وعلى المستوى العالمي، لا يعرف عشاق الجاز الكثير عن رجب، إلا ربما من خلال تعاونه مع صن را.  يزداد هذا الغموض إثارة عند الأخذ في الاعتبار أن فرقة القاهرة للجاز كانت خلال عهد عبد الناصر الفرقة العسكرية الرسمية، وتمتعت بكافة الموارد التي توفرها الدولة. لم يكن هذا بأي شكل من الأشكال حركة موسيقية “سرية” أو “تحت الأرض”، بل كان مشروعًا إبداعيًا تم إنتاجه وتوزيعه بالكامل من خلال شركة تسجيلات مركزية مملوكة للدولة.

قد لا نتمكن أبدًا من فهم كيف تطور مسار الجاز في مصر بالطريقة التي حدثت بها، لكن قصة صلاح رجب تسلط الضوء على التعاون والتأثيرات الثقافية المتبادلة التي ساهمت في تشكيله. فعلى الرغم من أن هذه التجربة كانت متمركزة في القاهرة، إلا أن شركاء رجب في هذا المشروع الموسيقي جاءوا من مختلف أنحاء العالم، وحتى من مختلف أنحاء مصر، حيث ضمت فرقة القاهرة للجاز موسيقيين من صعيد مصر والدلتا. قد يكون مستقبل الجاز في مصر غير واضح، لكنه بالتأكيد يمتلك ماضيًا مجيدًا، وربما تساعدنا قصة صلاح رجب وأعماله الموسيقية في فهم الطريق المجهول الذي ينتظر الجاز المصري.