الثلاثاء, مارس 3, 2026
الثلاثاء, مارس 3, 2026
ساهم

الوطنية المغربية-تحولات الأمة والهوية – تاليف حسن طارق

صدر حديثاً كتاب "الوطنية المغربية-تحولات الأمة والهوية" عن المركز...

قصة ضابط الجيش المصري الذي أسس أول فرقة لموسيقى الجاز

إيقاعات متأرجحة وارتجالات موسيقية، تتبعها صرخة "آه" متعجبة، وتعقبها...

التكنولوجيا الفائقة والعيش على حافة الفوضى

في ظهيرة هادئة، وبدون سابق إنذار، غرقت اثنتان من...

من النكبة إلى حرب غزة: كيف واكبت الرواية الفلسطينية مراحل الصراع؟

بالرغم من أن الرواية تعتبر جنسا أدبيا حديثا ووافدا على الثقافة العربية، قياسا بفنون أخرى مثل الشعر والخطابة، إلا أن إرهاصات الرواية الفلسطينية لم تتأخر عن مثيلاتها في الشرق العربي في أعقاب الحرب العالمية الأولى وظهور أفكار التحرر الوطني في المنطقة العربية. وقد تطورت فنون الرواية الفلسطينية مع تطور المراحل المختلفة للصراع فأصبحت أكثر تعقيدا واشتباكا مع تحولاته النضالية والسياسية.   تستعرض هذه المقالة بشكل مختصر نشأة الرواية الفلسطينية وتفاعلها مع واقعها الذي شكل الاحتلال مظهرا مفصليا فيه، وسأقسم هذا التناول إلى اربعة أجزاء: البدايات السردية، المؤسسون، الثورة الفلسطينية، ما بعد أوسلو. لا يمكن، بالتأكيد إضاءة كل التجارب السردية الفلسطينية بما يفيها حقها في مقالة محدودة، لذلك سأعمد إلى محاولة إضاءة ملامح كل مرحلة واستخدام إشارات موسوعية قصيرة إلى مختارات من أعمال من يمثلون كل مرحلة لتحفيز القارئ المهتم على التوسع في مطالعاته عن تلك التجارب. البدايات يعتبر النقاد والمؤرخون رواية "الوارث" للكاتب خليل بيدس ، والتي صدرت في عام 1920 أول رواية فلسطينية مطبوعة، ويرى الأكاديمي سليم تماري في تصريح أدلى به قبل سنوات أنها تشكل بداية مثيرة لرحلة الرواية العربية في فلسطين. وقد عثر شابان فلسطينيان هما فؤاد العكليك ورمزي الطويل على نسخة من الرواية التي وصفت بأنها "رواية اجتماعية غرامية تاريخية". طبعا لا تكمن أهمية الرواية في قيمتها الفنية التي لا يمكن أن تحاكم وفقا لمعايير فنية محضة، بل في أهميتها التاريخية التوثيقية لبدايات هذا الشكل السردي في فلسطين. فقد مثلت نكبة 1948 صدمة مفصلية في حياة الشعب الفلسطيني، ومن الطبيعي ان تكون حاضرة في النتاج الأدبي لهذا الشعب منذ بداياته. سبقت بدايات الشعر الفلسطيني، الذي انشغل بدوره بالقضية المركزية حتى قبل نكبة عام ١٩٤٨ ، الرواية في تعاطيه مع ما يشغل المجتمع الفلسطيني، وعكست القصائد الأولى  الهموم الوطنية منذ ما بين الحربين العالميتين. كتب الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان (١٩٠٦-١٩٤١) أولى قصائده الوطنية خلال الانتداب البريطاني، وهو مؤلف نشيد "موطني" الذي اعتمدته عدة دول عربية بتلحين الأخوين فليفل اللبنانيين نشيدا وطنيا، والكثير من الفلسطينيين يعتبرونه بدورهم نشيدا وطنيا، مع أن السلطة الوطنية ارتأت اعتماد إحدى أغاني الثورة الفلسطينية التي تحمل عنوان "فدائي". وقد تتلمذت الشاعرة فدوى طوقان (١٩١٧-٢٠٠٣) على شقيقها الذي رحل مبكرا وتابعت صقل موهبتها حتى تشكلت لها شخصية شعرية مميزة، وكان باكورة إنتاجها ديوان "وحدي مع الأيام" الذي صدر عام ١٩٥٢. ومن الشعراء الذين واكب نشاطهم الشعري نضال الشعب الفلسطيني في مواجهة مخططات تقسيم فلسطين ابن بلدتي عنبتا الشاعر عبد الرحيم محمود (١٩١٣-١٩٤٨)، صاحب القصيدة ذائعة الصيت ومطلعها "سأحمل روحي على راحتي وألقي بها في مهاوي الردى، فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدى". استشهد عبد الرحيم محمود في معركة الشجرة عام ١٩٤٨. بعد النكبة ظهر جيل جديد من الشعراء الفلسطينيين (محمود درويش، سميح القاسم، توفيق زياد، نوح إبراهيم، سالم جبران وغيرهم) في مدن وقرى فلسطين المحتلة، واضطلع شعرهم من بداياته بمهمة نضالية ألقت بظلالها على هويته الأدبية، إذ كانت بداياته خطابية غنائية تتسم بالمباشرة، تغيرت فيما بعد مع تنوع التجارب السياسية والحياتية لمبدعيه كما شاهدنا خاصة في تجارب محمود درويش وسميح القاسم. السرد ما بعد النكبة   كانت القصة القصيرة هي الشكل السائد للسرد بعد النكبة، حيث برزت أعمال الكتاب محمود سيف الدين الإيراني وخليل بيدس الذين بدءا نشاطهما قبل النكبة، ثم تبعهما كتاب وكاتبات مثل سميرة عزام وخليل السواحري ومحمود شقير وغسان كنفاني وغيرهم، لكن الرواية الفلسطينية الناضجة شكليا تأخرت إلى ما بعد عام ١٩٦٧، ويمكن القول إن النكسة أثرت على نضوجها وتبلور مشروعها. منذ بداية مشروع الرواية الفلسطينية اتسمت بصفتين لازمتا معظم الأعمال التي صدرت حتى الآن: الأولى هي الشكل المغترب عن البيئة والمتسم باجتهادات ذهنية فردية متأثرة بالإنجازات العالمية، وعلى الرغم من وجود تجارب لافتة في هذا المجال إلا أن الملاحظ على معظمها أنها اقتصرت على الشكل السردي، وسنعود لنقاش هذا الجانب عند الحديث عن اعمال محددة.  والثانية هي التشبث الشكلي بمفهوم ساذج للالتزام بقضية فيما يمكن اعتباره تفسيرا فجا لمفهوم الواقعية الاشتراكية في الأدب. الآباء المؤسسون كان غسان كنفاني (١٩٣٦-١٩٧٢) من أوائل الروائيين الفلسطينيين الذين بلوروا مشروعا سرديا  واضح المعالم مبنيا على الإنجازات السردية العالمية، وشكلت روايته الأولى "عائد إلى حيفا" الصادرة عام ١٩٦٩ نقلة نوعية في السرد الفلسطيني وبداية ناضجة للرواية كجنس أدبي في فلسطين. شكل الحدث المفصلي في حياة الفلسطينيين، نكبة عام ١٩٤٨، وما تبع ذلك من تداعيات: النكسة، المقاومة بأشكالها، ولاحقا اتفاق اوسلو وتداعياته، المحور الذي دارت حوله الرواية الفلسطينية التي لم تتمكن بسهولة من الخروج من هذا الإطار السردي، شكلا وموضوعا. من اللافت أن غسان كنفاني، ومنذ بداياته، اهتم بالشكل السردي وانفتح على المدارس والتوجهات العالمية في الرواية، فكان أول من وظف تقنيات حداثية عالمية مثل "تيار الوعي" الذي عرف في الولايات المتحدة منذ بدايات القرن العشرين وهي تقنية تحاول التقاط التدفق الطبيعي لعملية التفكير الممتدة للشخصية، غالبا عبر دمج الانطباعات الحسية والأفكار غير المكتملة.  في روايته الأولى "عائد إلى حيفا" يختار كنفاني المواجهة بين السردية الفلسطينية والإسرائيلية، من خلال حوار بين الأب والأم الفلسطينيين من جهة وابنهما الذي تركاه سهوا في المنزل عند الرحيل المتعجل عن الوطن عام ١٩٤٨ لتقوم بتربيته عائلة يهودية استوطنت منزلهما. لعل رواية غسان هذه، رغم الاحتفاء الفلسطيني والعربي العظيم بها، هي الاقل نضجا سرديا بين رواياته، حيث تقحم الرؤية السياسية على الحوار بشكل فج يجعله ملائما للاستخدام كشعارات سياسية على وسائل التواصل الاجتماعي "هل تعرفين ما هو الوطن يا صفية؟ الوطن ألا يحدث هذا كله " و " تستطيعان مؤقتا البقاء في بيتنا، فذلك أمر تحتاج تسويته إلى حرب".  الإشكالية في الاقتباسين السابقين تكمن في أنهما مقحمان على طبيعة اللقاء بين الفلسطيني (المستلب، الخارج لتوه من حرب هزم فيها، مرة أخرى، وفقد ما تبقى من وطنه) والإسرائيلي (الذي لم يفق بعد من نشوة النصر والغرور الذي اكتسبه عبر النصر الجارف الذي حققه جيش دولته في الخامس من حزيران). أنا ابن الضفة الغربية، وكنت شاهدا على علاقة الفلسطيني بالإسرائيلي عقب هزيمة حزيران: في الأيام الأولى كان اهل الضفة يعيشون حالة رعب من احتمال حدوث مجازر كتلك التي اقترفها الجيش الإسرائيلي عقب النكبة، وحين مرت الأيام ولم تقع مجازر بدأ الناس يطمئنون قليلا، ولكن نظرتهم للمدنيين الإسرائيليين الذين بدأوا يغزون مدن وأسواق الضفة الغربية شابها الفضول الحذر وليس التحدي والمواجهة المباشرة. أما من يدخل إلى الضفة الغربية وعبرها إلى الداخل الفلسطيني عن طريق الجسر فهو يكون في العادة أكثر توجسا وحذرا، ولا يملك هذه الجرأة والثقة بالنفس التي كانت واضحة في خطاب سعيد في رواية عائد إلى حيفا. في روايات غسان التي تلت كان صوته السردي أقل انفعالا، وشخصياته تتحرك وتتحدث بلسانها لا بلسان كاتبها كما هو الحال في "عائد إلى حيفا"، وحتى حين استخدم في رواية "رجال في الشمس" مقولة (تساؤلا) حوله الفلسطينيون إلى شعار سياسي “لماذا لم يطرقوا جدران الخزان؟" جاء ذلك ملتحما بالنسيج العضوي للرواية ووقعه بدا طبيعيا غير مقحم لا على السياق ولا على طبيعة لغة قائله (أبو الخيزران سائق الشاحنة). أما قمة التألق السردي لغسان فقد تجلى في “ما تبقى لكم" وهي رواية قصيرة أو "نوفيلا" استخدم فيها غسان الرمز بكثافة كما استخدم تقنية تيار الوعي. يحكي العمل قصة ثلاثة اشخاص، مع ان الشخصيات في الرواية يمكن اعتبارها خمسة حيث الساعة والصحراء حاضرتان بقوة تبرر اعتبارهما شخصيات.  الشخصيات الآدمية هي حامد، وشقيقته مريم وزوجها زكريا. تستغرق الأحداث اقل من يوم لكن المؤلف يستخدم تقنية "الفلاش باك" ليعطينا خلفية للقصة. في هذه القصة استخدم كنفاني الساعة كرمز لتداخل سرد الأحداث التي تدور في أوقات مختلفة والصحراء كسارد لها، لكن الحقيقة أن الهدف من جعل الصحراء ساردا ليس واضحا، فهي تقوم بهذا الدور مثل اي سارد تقليدي. أما ثاني الثلاثي السردي (الذين يعتبرون آباء الرواية الفلسطينية) فهو جبرا إبراهيم جبرا. في رواياته التي تملك صوتا سرديا راسخا، يقوم جبرا بنحت نموذج طوباوي للفلسطيني: الناجح، الناجي، القدوة… لنأخذ رواية "البحث عن وليد مسعود" كنموذج لروح السرد عند جبرا: وليد مسعود فلسطيني يعيش في بغداد، رجل أعمال ناجح، مثقف، يتنقل بين أحضان النساء المعجبات بشخصياته وينتزع الحسد من الرجال الذين قد يتحول ذلك عندهم إلى حقد وكراهية. الصوت السردي محكم، والشخصيات (حيث هي كيان من لحم ودم تتطور بشكل عضوي) مقنعة، لكنها "منمذجة"(idealized ) بشكل واضح. ونأتي الآن إلى الاب الثالث للرواية الفلسطينية، إميل حبيبي، ورائعته "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل". هذه الرواية لا تشبه أي شيء سابق أو لاحق في السرد الفلسطيني: يزاوج أسلوبها السردي السخرية اللاذعة من الذات والضحك المر باللغة الكلاسيكية والتراث التاريخي والشخصيات الكاريكاتيرية. لم ينجح سارد فلسطيني بإضاءة تناقضات الشخصية الفلسطينية في تعاملها مع واقعها المر كما فعلت هذه الرواية: الفلسطيني فيها براغماتي/ثائر، متصالح / مفعم بالتحدي ساخر (من الذات بالدرجة الأولى). فيها دفء إنساني، ضحك ومرارة. تشبه الإنسان الفلسطيني بلامعقوليته وتناقضاته التي تتعايش في كيان هش يتحدى الكسر. لعل تصوير الشخصية الفلسطينية في هذه الرواية هو الأكثر شجاعة وثراء في السرد الفلسطيني على الإطلاق، فهي تتطور، كما لغة السرد، بالتداعي، وبشكل عضوي، وكأن خالقها (الروائي) سها، عمدا، عن مسارات تطورها، فتركها تقدم نفسها لشكل قد لا يروق لأصحاب رؤية "وضع النماذج الإيجابية في الواجهة". وبلغت شجاعة الكاتب السردية درجة مكنته من التحرر من أناه الأخرى (السياسي الملتزم، ابن الحزب الشيوعي الذي يحبذ النقد الإيجابي الهادف عوضا عن السخرية). لم "يرقني موضوع "الفضائيين" كإطار للسرد في الرواية، احسسته مقحما، لكن الرواية ككل أبهرتني. بقيت الرواية متفردة في نتاج إميل حبيبي، فلا يقاربها في تفردها الأسلوبي اي من اعماله القليلة الاخرى. تنوعت تجارب الروائيين الفلسطينيين بعد الآباء المؤسسين، واتسم أسلوب السرد عندهم بالذاتية، أي أن كلا منهم يعكس توجهه (الذهني) الذات في تجربته السردية، وإن كان التأويل الفلسطيني لمفهوم الواقعية الاشتراكية هو السائد.. نشرت سحر خليفة روايتها الأولى "لم نعد جواري لكم" عام ١٩٧٤، ثم أتبعتها برواية أكثر نضجا أسلوبيا تحمل عنوان "الصبار" لتتلوها رواية “عباد الشمس" ، وكلاهما ترصدان المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية بعد النكسة. منذ بداية تجربة سحر السردية يمكن رصد نفس نسوي، بدأ بروايتها الأولى التي تصرح بهذا التوجه عبر عنوانها "لم نعد جواري لكم" ثم فيما تلا من روايات. في البداية لم يلاحظ القارئ تصدر "القضية" على حساب الصنعة الروائية، لكن هذا لم يلبث ان حصل في بعض رواياتها اللاحقة. من الروائيات الفلسطينيات اللواتي بدأن نشاطهن في العقد الثامن من القرن العشرين أيضا ليانة بدر، حيث تناولت في روايتها الأولى "بوصلة من أجل عباد الشمس" أحداث أيلول في الأردن عام ١٩٧٠.   أصدرت ليانة لاحقا عددا من الروايات منها "عين المرأة" و"الخيمة البيضاء" و"نجوم أريحا". كانت ليانة تعيش خارج الأراضي الفلسطينية وقد بدا ذلك واضحا في فضائها الروائي في البداية، ثم عادت إلى الضفة الغربية بعد أوسلو، وانتقلت بشخصيات رواياتها وثيماتها إلى الضفة الغربية.  ليانة أيضا تبدو مسكونة بالهموم النسوية، على استحياء في روايتها الأولى "بوصلة من أجل عباد الشمس" ثم بدا ذلك واضحا في روايتها "الخيمة البيضاء"، حيث النفس النسوي هنا لا يتجلى على السطح فقط من خلال استعراض احتجاج شخصياتها الأنثوية على وضعهن في المجتمع، بل من خلال تحقق الشخصية الأنثوية كإنسانة مناضلة تضطلع بدورها بنشاط في شتى مناحي الحياة.  ومن الكتاب المميزين الذين لفت نتاجهم الانتباه في سنوات الثورة الفلسطينية يحيى يخلف، الذي صدرت روايته اللافتة "نجران تحت الصفر" عام ١٩٧٧، واستخدم فيها الكاتب تجربته في العمل في السعودية لرصد واقع اجتماعي وسياسي قلق في تلك المنطقة. شخصيا أعتبر هذه الرواية أكثر روايات يخلف تميزا في لغتها وأسلوبها السردي وإضاءة ملامح شخصياتها. في رواياته اللاحقة ابتعد يخلف عن التجريبية واستقر على أسلوب سرد كلاسيكي كما بدا ذلك في روايتيه اللتين صدرتا بعد أوسلو "بحيرة وراء الريح" و"نهر يستحم في البحيرة" ورواياته اللاحقة الاخرى. ولا ننسى طبعا تجربة رشاد أبو شاور الذي رحل عن عالمنا منذ فترة قصيرة، وأبرز معالمها، الذي كان واضحا في معظم أعماله، نقد سلوكيات البعض في الثورة الفلسطينية وتصوير انتهازيتهم، وبدا هذا واضحا في روايته "الرب لم يسترح في اليوم السابع". حاول أبو شاور التجريب خاصة في قصصه القصيرة، إلا أنه عاد في رواياته إلى شكل السرد الكلاسيكي. في "الرب لم يسترح في اليوم السابع" يصور خروج المقاتلين الفلسطينيين من بيروت، حيث تدور معظم أحداث الرواية على متن الباخرة التي أقلتهم من بيروت إلى قبرص، ويبسط الضوء على بعض السلوكيات الانتهازية لمسؤولين ومتنفذين في المقاومة الفلسطينية. أوسلو وما بعدها يمكن رصد ظاهرتين في المزاج الأدبي السائد بعد أوسلو سواء كان في أوساط غالبية القراء أو غالبية النقاد ودور النشر، بعد توقيع اتفاقية أوسلو وعودة الكثير من الفلسطينيين المنفيين إلى الضفة الغربية وغزة. الظاهرة الأولى هي الارتداد إلى شكل مسطح لمفهوم الالتزام في الأدب، لا يرقى إلى مستوى ما أنتج خلال سنوات الثورة. أما الثاني فهو وضع الجوانب الشكلية، وخصوصا اللغة والتجريب في أشكال السرد في الصدارة. طبعا صدرت أعمال أدبية لا تلتزم بهذا التوجه، لكنها دفعت ثمنا هو التجاهل النقدي وأحيانا الهجوم سواء من القراء أو النقاد. من أبرز أسماء تلك الحقبة محمود شقير، الذي بدأ مسيرته الأدبية من خلال القصة القصيرة كما أسلفنا، وتدرج أسلوب السرد في قصصه القصيرة من الواقعية الاشتراكية إلى أساليب سرد حداثية ، ثم تابعها بكتابة روايات لافتة، ربما أكثرها شهرة رواية "مديح لنساء العائلة" التي وصلت للقائمة القصيرة لجائزة بوكر العربية والتي يروي فيها الكاتب حكاية نساء عشيرة العبد اللات وبدايات الخروج على التقاليد السائدة . لعل من أغزر الروائيين إنتاجا (خصوصا بعد أوسلو) الروائي إبراهيم نصر الله، الذي يحظى بنجاح لافت، سواء في فلسطين أو خارجها، وترجم الكثير من اعماله إلى لغات عدة. يتماهى نصر الله في إنتاجه الروائي مع متطلبات المزاج الفلسطيني العام بأسلوب تغلب عليه الشعرية، وهو ربما أكثر الكتاب الفلسطينيين شعبية في أوساط القراء، كذلك أغزرهم إنتاجا. في روايته "زمن الخيول البيضاء" التي وصلت إلى القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية، يقدم نصر الله سردا رومانسيا شعري الأجواء لأحداث تدور قبل النكبة، وقد حظيت الرواية بشعبية كبيرة في أوساط القراء والنقاد، وأعتبرها شخصيا من أفضل أعماله. لقد أحببت الرواية، وإن كان لي مأخذ عليها: كونها من الأعمال الفلسطينية القليلة التي تصور المجتمع الفلسطينية قبل النكبة كنت أتمنى لو انتهج إبراهيم سردا كلاسيكيا اقدر على رسم ملامح واقعية لمجتمع غابت ملامحه ونرغب كفلسطينيين في استعادتها لمواجهة محاولات إسرائيل نفيها حينا وسرقتها في أحيان أخرى. من رواياته الأخرى التي أعجبتني رواية "شرفة العار" التي تتناول ظاهرة حساسة في المجتمعات العربية، هي ظاهرة "جرائم الشرف" تناول نصر الله في هذه الرواية يبتعد عن شعريته في "زمن الخيول" ويقترب من أسلوب السرد الواقعي، وجاء هذا في صالح الرواية.   ومن الروائيين الفلسطينيين الذي حازوا على جائزة "البوكر العربية " بدورهم بالإضافة لنصر الله الكاتب ربعي المدهون الذي نشر روايتين: "السيدة من تل أبيب"، و"مصائر: كونشيرتو الهولوكوست والنكبة". اعتمد المدهون في روايتيه التجريب الاسلوبي، وتناول في كليهما بشكل جريء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من خلال إعطاء مساحة للتفاعل المباشر مع الآخر من خلال حضور شخصيات إسرائيلية وفلسطينية في روايتيه. اثارت الروايتان جدلا وسعا وحادا بين المعجبين والمنتقدين، لكن الخلاف في معظمه كان سياسيا ولم يرتبط بالجوانب الفنية للرواية إلا في القليل.  وفاز فلسطيني ثالث بجائزة البوكر العربية هو باسم خندقجي الذي يقضي حكما مؤبدا بالسجن في السجون الإسرائيلية. وقال رئيس لجنة الجائزة عن الرواية الفائزة: "تغامر الرواية في تجريب صيغ سردية جديدة للثلاثية الكبرى: وعي الذات، وعي الآخر، وعي العالم، حيث يرمح التخييل مفككاً الواقع المعقد المرير، والتشظي الأسري، والتهجير، والإبادة والعنصرية. كما اشتبكت فيها، وازدهت، جدائل التاريخ والأسطورة والحاضر والعصر، وتوقّد فيها النبض الإنساني الحار ضد التخوين، كما توقدت فيها صبوات الحرية والتحرر من كل ما يشوه البشر، أفراداً ومجتمعات. إنها رواية تعلن الحب والصداقة هويةً للإنسان فوق كل الانتماءات". ومن الروائيين اللافتين في مرحلة ما بعد أوسلو الأكاديمي وليد الشرفا الذي حازت روايته "وارث الشواهد" اهتماما نقديا وفي صفوف القراء. انتهج الكاتب في روايته أسلوبا حداثيا يقوم على تعدد الأصوات السردية وتداخل الأزمنة السردية. ...

ترامب: حين تتجسد ثقافة “التفاهة” في شخص الرئيس

ثقافة "الحشو" الأمريكية تمظهرت في برامج تليفزيون الواقع في...

كيف سيختل ميزان سكان العالم في نهاية القرن الحالي؟

مع تراجع معدلات الخصوبة بشكل حاد في جميع أنحاء العالم، تتجه جميع الدول ذات الاقتصادات المتقدمة تقريبًا نحو تراجع سكاني قبل نهاية هذا القرن، في حين أن العديد من الدول النامية ومنها دول مثل العراق ومصر واليمن وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، من المتوقع أن تشهد العكس تمامًا، طفرة ديموغرافية قد تعيد رسم توازن القوى العالمي. إن تداعيات أمر كهذا ستكون أشبه بزلزال: فبدون نمو سكاني متجدد، ستتوقف عجلة التوسع الاقتصادي في الدول التي تعاني من الشيخوخة، وستبدأ أسس بنيتها الاجتماعية والاقتصادية في التصدع. فما هو الدور الذي ستلعبه هذه الدول الصناعية في عالم الغد؟ وهل ستتمكن الاقتصادات الناشئة، المدفوعة بقوتها السكانية الشابة، من وراثة الهيمنة العالمية وإرسال القوى العظمى الحالية إلى أرشيف التاريخ؟

اليوم، يعيش ثلثا سكان العالم في دول انخفضت فيها معدلات الخصوبة إلى أقل من معدل الإحلال البالغ 2.1 طفل لكل أسرة. وتشير توقعات الأمم المتحدة إلى أنه بحلول عام 2100، ستتراجع أعداد السكان في بعض أكبر اقتصادات العالم بنسبة تتراوح بين 20 إلى 50 في المائة. لن يعيد هذا التحول الهائل تشكيل المجتمعات فحسب، بل سيغير أيضًا الهياكل الاقتصادية بشكل لا رجعة فيها.

تشهد البنية العمرية للعديد من المجتمعات تحولًا جذريًا، من التوزيع الهرمي التقليدي، الذي تمثل قاعدته أعداد كبيرة من الشباب العاملين الذين يدعمون نسبة أقل من كبار السن هم رأس الهرم، إلى هياكل أشبه بالمسلّات، حيث يزداد عدد كبار السن بينما يتقلص عدد السكان في سن العمل. ففي الاقتصادات المتقدمة والصين، على سبيل المثال، ستنخفض نسبة الأفراد في سن العمل من 67 بالمائة في الوقت الراهن إلى 59 بالمائة فقط بحلول عام 2050. وبينما تظل منطقة أفريقيا جنوب الصحراء استثناءً مع استمرار نمو السكان الشباب، ستواجه المناطق الأخرى نفس التحديات خلال جيل أو جيلين.

سكان الشرق الأوسط في 2100

يقدم الشرق الأوسط حالة فريدة ضمن التحول الديموغرافي العالمي.  فمن المتوقع أن تشهد  بعض دوله  مثل تركيا وإيران، انخفاضًا في عدد السكان بحلول عام 2100، حيث ستتراجع تركيا من 85 مليونًا إلى 83 مليونًا، وإيران من 89 مليونًا إلى 80 مليونًا، لكن دولا أخرى في المنطقة سوف تشهد نموا سكانيا هائلا. العراق في مقدمة هذه الفئة الأخيرة حيث من المتوقع أن يرتفع عدد سكانه من 44 مليونًا إلى 112 مليونًا، ليصبح سكانه أكبر بنسبة 40٪ من تركيا أو إيران.

هذا التحول قد يعيد تشكيل ميزان القوى في المنطقة، حيث سيصبح العراق وهو أكبر دولة عربية ذات غالبية شيعية، قوة ديموغرافية وجيوسياسية بارزة. وبالمثل، من المتوقع أن يرتفع عدد سكان اليمن من 34 مليونًا إلى 74 مليونًا، متجاوزًا عدد سكان السعودية، مما سيضعه في موقع استراتيجي مؤثر في المنطقة.

أما مصر، التي تُعد بالفعل الدولة الأكثر سكانًا في العالم العربي، فستشهد تضاعف عدد سكانها تقريبًا من 111 مليونًا إلى 205 ملايين، متجاوزة مجموع سكان إيران وتركيا، وقريبة من عدد سكان روسيا. وفي الوقت نفسه، ستشهد دول مجلس التعاون الخليج  نموًا أبطأ ولكن مستقرًا، حيث سيرتفع عدد سكانها من 59 مليونًا إلى 84 مليونًا بحلول عام 2100.

كما ستشهد إسرائيل، فلسطين، سوريا، والأردن زيادات سكانية كبيرة. من المتوقع أن يتضاعف عدد سكان إسرائيل إلى 18.4 مليون نسمة، بينما سيرتفع عدد سكان فلسطين (غزة والضفة الغربية) من 5.2 مليون إلى 12.8 مليون وفقًا لتوقعات الأمم المتحدة. أما سوريا فستشهد تضاعف عدد سكانها تقريبًا من 22 مليونًا إلى 43 مليونًا، بينما سيرتفع عدد سكان الأردن من 11 مليونًا إلى 18 مليونًا. وعلى العكس من ذلك، من المتوقع أن ينخفض عدد سكان لبنان قليلًا، من 5.5 مليون إلى 4.7 مليون. وبشكل عام، ستصل هذه الدول الخمس إلى عدد سكان إجمالي يبلغ 95 مليونًا، مما يجعلها مجتمعة أكبر من تركيا أو إيران.

التأثير الاقتصادي: الاستهلاك، العمل، والنمو

مع تقدم المجتمعات في العمر، سيصبح المستهلكون والعمال أكبر سنًا وأكثر تمركزًا في الدول النامية. وبحلول عام 2050، سيكون نصيب كبار السن من الاستهلاك العالمي بنسبة الربع ، أي ضعف حصتهم في عام 1997. في الوقت نفسه، ستوفر الدول النامية نسبة متزايدة من القوى العاملة العالمية، مما يجعل استقرارها الاقتصادي وإنتاجيتها أمرًا ضروريًا للحفاظ على النمو العالمي.

لكن الهياكل الاقتصادية الحالية في الدول التي تعاني من الشيخوخة ليست مصممة لدعم التوقعات المستقبلية للدخل والتقاعد. وستكون العواقب واضحة: ففي الاقتصادات المتقدمة والصين، قد يتباطأ نمو نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بمعدل 0.4 بالمائة سنويًا في المتوسط بين عامي 2023 و2050، وقد يصل التباطؤ إلى 0.8 بالمائة في بعض الدول. ولمواجهة هذا التراجع، سيتعين على هذه الدول زيادة إنتاجيتها الراهنة بمعدل الضعف أو زيادة عدد ساعات العمل إلى مستويات غير مسبوقة.

كما ستتعرض أنظمة التقاعد لضغوط هائلة. فلتأمين احتياجات كبار السن، قد يتعين تحويل ما يصل إلى 50 بالمائة من دخل العمل لدعم المتقاعدين. ومن المتوقع أن يزيد الفارق بين الاستهلاك الكلي ودخل كبار السن بمقدار مرة ونصف، مما سيزيد من الضغط على أنظمة الضمان الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي. على الدول التي تواجه الموجة الأولى من التراجع الديموغرافي أن تتحرك بسرعة، بينما يجب على الدول التي ستواجه هذا التحدي لاحقًا أن تستعد لتجنب المصير نفسه.

توقعات القوى العظمى والتداعيات العالمية

يجب النظر إلى التحولات الديموغرافية في الشرق الأوسط ضمن السياق الأوسع لتفاعلات  القوة العالمية. ففي حين ستشهد الولايات المتحدة نموًا سكانيًا متواضعًا من 338 مليونًا إلى 394 مليونًا بحلول عام 2100، من المتوقع أن يتراجع عدد سكان الصين بشكل حاد من 1.425 مليار إلى 767 مليون نسمة. كما ستنخفض نسبة سكان روسيا مقارنة بسكان الولايات المتحدة من 43٪  في الوقت الراهن إلى 28٪، مما سيضعف الموقع العالمي لروسيا بشكل أكبر. في المقابل، ستنمو الهند من 1.417 مليار نسمة إلى 1.530 مليار نسمة، مما سيعزز مكانتها كقوة عالمية مهيمنة.

وربما يتمثل التغير الديموغرافي الأكثر إثارة في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء. فمن المتوقع أن يرتفع عدد سكانها من 1.166 مليار إلى 3.442 مليار بحلول عام 2100، مما يجعلها المحرك الرئيسي لنمو السكان العالمي. سيساوي عدد سكان أفريقيا حسب توقعات نهاية القرن الراهن 450٪ من عدد سكان الصين وأكثر من ثمانية أضعاف عدد سكان الولايات المتحدة، مما يجعل تنميتها الاقتصادية أمرًا حاسمًا لاستقرار العالم.

وإذا لم تُتخذ إجراءات حاسمة، فإن الأجيال الشابة في الدول التي تعاني من الشيخوخة ستواجه اقتصادات ذات إمكانات نمو منخفضة وأعباء مالية هائلة لدعم المتقاعدين. إن نظام توارث الثروة بين الأجيال، حيث يدعم الشباب تقاعد المسنين ونظام الرعاية الصحية، يتفكك بسرعة. وإذا تُركت هذه المشكلة دون معالجة، فقد يكون المصير الحتمي هو الانهيار البطيء والمؤلم للدول المتقدمة من داخلها.

المجهول في التغيرات الديموغرافية

تفرض هذه التحولات الديموغرافية تغييرات اجتماعية عميقة. إذ يجب إعادة تعريف أنماط العمل التقليدية، وإعادة النظر في سن التقاعد، وإعادة صياغة العقود الاجتماعية. والأهم من ذلك، يجب عكس اتجاه انخفاض معدلات الخصوبة لمنع تراجع السكان، وهو تحدٍّ غير مسبوق في التاريخ الحديث.

ورغم أن سياسات الهجرة قد توفر حلاً مؤقتًا لنقص العمالة، إلا أنها ليست حلاً مستدامًا على المدى الطويل. ولكن ماذا عن الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا؟ هل يمكن أن تجعل أنظمة الذكاء الاصطناعي العامة (AGI) معادلة السكان غير مهمة؟ إذا تولت الآلات إنتاج الثروة بالكامل، مما يفصل بين العمل البشري والإنتاجية الاقتصادية، فقد نجد أنفسنا في عالم تنهار فيه العقود الاجتماعية القائمة تمامًا.

في هذا السيناريو، لن تكون التركيبة السكانية هي العامل المحدد للإنتاجية الاقتصادية، بل ستتخذ التحديات المجتمعية شكلًا مختلفًا تمامًا. لن يكون السؤال هو كيف يمكن للسكان العاملين دعم المتقاعدين، بل كيف سيتم توزيع الثروة عندما لا يكون للعمل البشري دور في الاقتصاد. قد تصبح الحلول مثل الدخل الأساسي الشامل ليست مجرد خيار، بل ضرورة حتمية. ومع ذلك، تبقى هذه الأفكار مجرد تكهنات. فالذكاء الاصطناعي العام  لم يوجد بعد، وتأثيره على المجتمعات والنظام العالمي غير معروف. ولهذا السبب يُطلق عليه “التفرّد” فما بعد هذه العتبة، تصبح جميع التنبؤات بلا جدوى.